المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥١٠ - النوع السادس فى ذكر حجه و عمره- صلى اللّه عليه و سلم
قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قال: عمرتين، فبلغ عائشة فقالت: لقد علم أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- اعتمر ثلاثا سوى التي قرنها بحجة الوداع.
و قد ذكرت الاختلاف فيما كان- صلى اللّه عليه و سلم- محرما به فى حجة الوداع.
و الجمع بين ما اختلف فيه من ذلك. و المشهور عن عائشة أنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان مفردا، و حديثها هذا يشعر بأنه كان قارنا، و كذا ابن عمر قد أنكر على أنس لكونه قال: «إنه- صلى اللّه عليه و سلم- كان قارنا» مع أن حديثه هذا المتقدم يدل على أنه كان قارنا، لأنه لم ينقل أنه- صلى اللّه عليه و سلم- اعتمر مع حجته، و لم يكن متمتعا لأنه- صلى اللّه عليه و سلم- اعتذر عن ذلك بكونه ساق الهدى.
و احتاج بعضهم إلى تأويل ما وقع عن عائشة و ابن عمر هنا فقال: إنما يجوز نسبة العمرة الرابعة إليه- صلى اللّه عليه و سلم- باعتبار أنه أمر الناس بها و عملت بحضرته، لا أنه- صلى اللّه عليه و سلم- اعتمرها بنفسه. و أنت إذا تأملت ما تقدم من أقوال الأئمة فى حجته- صلى اللّه عليه و سلم- من الجمع استغنيت عن هذا التأويل المتعسف.
قال بعض العلماء المحققين: و فى عدهم عمرة الحديبية التي صدّ عنها- صلى اللّه عليه و سلم- ما يدل على أنها عمرة تامة. و فيه إشارة إلى حجة قول الجمهور: أنه لا يجب القضاء على من صدّ عن البيت خلافا للحنفية، و لو كانت عمرة القضية بدلا عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، و إنما سميت عمرة القضية و القضاء لأن النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- قاضى قريشا فيها، لا أنها وقعت قضاء عن العمرة التي صدّ عنها، إذ لو كان كذلك لكانت عمرة واحدة. و أما حديث أبى داود عن عائشة: أنه اعتمر فى شوال، فإن كان محفوظا فلعله يريد عمرة الجعرانة حين خرج فى شوال، و لكن إنما أحرم فى ذى القعدة.
و أنكر ابن القيم أن يكون- صلى اللّه عليه و سلم- اعتمر فى رمضان، نعم قد أخرج الدّارقطني من طريق العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن يزيد عن أبيه عن عائشة قالت: خرجت مع رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- فى عمرة رمضان فأفطر