المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٨٦
و ليس المراد أن يكون من أطاع اللّه و أطاع الرسول مع النبيين و الصديقين كون الكل فى درجة واحدة، لأن هذا يقتضى التسوية فى الدرجة بين الفاضل و المفضول، و ذلك لا يجوز، فالمراد كونهم فى الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر و إن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، فإذا أرادوا الرؤية و التلاقى قدروا على ذلك، فهذا هو المراد من هذه المعية.
و قد ثبت فى الصحيحين من حديث أنس، أن رجلا قال: يا رسول اللّه متى الساعة؟ قال: «و ما أعددت لها؟» قال: لا شيء إلا أنى أحب اللّه و رسوله، قال: «أنت مع من أحببت»، قال أنس: فما فرحنا بشيء فرحنا بقول النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-: أنت مع من أحببت، قال أنس: فأنا أحب النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- و أبا بكر و عمر و أرجو أن أكون معهم بحبى إياهم [١].
و فى الحديث الإلهى الذي رواه حذيفة- كما عند الطبرانى بسند غريب- أنه تعالى قال: «ما تقرب إلى عبدى بمثل أداء ما افترضت عليه، و لا يزال يتقرب إلى بالنوافل حتى أحبه» [٢] الحديث. و فيه من الزيادة على حديث البخاري: «و يكون من أوليائى و أصفيائى، و يكون جارى مع النبيين و الصديقين و الشهداء فى الجنة» [٣].
فللّه درها من كرامة بالغة، و نعمة على المحبين سابغة، فالمحب يرقى فى درجات الجنات على أهل المقامات، بحيث ينظر إليه كما ينظر إلى الكوكب الغابر فى أفق السماوات لعلو درجته و قرب منزلته من حبيبه، و معيته معه، فإن المرء مع من أحب، و لكل عمل جزاء، و جزاء المحبة المحبة و الوصول و القرب من المحبوب.
[١] متفق عليه: أخرجه البخاري (٣٦٨٨) فى المناقب، باب: مناقب عمر بن الخطاب، و مسلم (٢٦٣٩) فى البر و الصلة، باب: المرء مع من أحب. من حديث أنس- رضى اللّه عنه-.
[٢] أصله فى البخاري (٦٥٠٢) فى الرقاق، باب: التواضع. من حديث أبى هريرة- رضى اللّه عنه-.
[٣] أخرجه أبو نعيم فى الحلية و الحاكم فى تاريخه و ابن عساكر و الديلمى، و فيه إسحاق بن يحيى الكعبى هالك يأتى بالمناكير عن الأثبات، قاله المتقى الهندى فى «كنز العمال» (٤٣٦٠٠).