المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٦٨٧
رؤيت امرأة مسرفة على نفسها بعد موتها فقيل لها: ما فعل اللّه بك؟
قالت: غفر لى، فقيل لها: بما ذا؟ قالت: بمحبتى لرسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- و شهوتى النظر إليه، نوديت: من اشتهى النظر إلى حبيبنا نستحى أن نذله بعتابنا، بل نجمع بنيه و بين من يحبه.
و انظر إلى قوله تعالى: طُوبى لَهُمْ وَ حُسْنُ مَآبٍ [١] و إن طوبى اسم شجرة غرسها اللّه بيده، و تنبت الحلى و الحلل، و إن أغصانها لترمى من وراء سور الجنة، و إن أصلها فى دار النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و فى دار كل مؤمن منها غصن، فما من جنة من الجنات إلا و فيها من شجرة طوبى، ليكون سر كل نعيم، و نصيب كل ولى من سره- صلى اللّه عليه و سلم-، و أنه- صلى اللّه عليه و سلم- ملأ الجنة، فلا ولى يتنعم فى جنته إلا و الرسول متنعم بنعمته، لأن الولى ما وصل إلى ما وصل إليه من النعيم إلا باتباعه لنبيه- صلى اللّه عليه و سلم-، فلهذا كان سر النبوة قائما به فى تنعمه. و كذلك إبليس ملأ النار، فلا عذاب لأحد من أهلها إلا و إبليس- لعنه اللّه- سر تعذيبه و مشارك له فيه.
و فى «البحر» لأبى حيان عند تفسير قوله تعالى: عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَها تَفْجِيراً [٢] قيل: هى عين فى دار رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- تفجر إلى دور الأنبياء و المؤمنين.
و إذا علمت هذا، فاعلم أن أعظم نعيم الجنة و أكمله التمتع بالنظر إلى وجه الرب تبارك و تعالى، و رسوله- صلى اللّه عليه و سلم-، و قرة العين بالقرب من اللّه و رسوله مع الفوز بكرامة الرضوان التي هى أكبر من الجنان و ما فيها، كما قال اللّه تعالى: وَ رِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [٣].
و لا ريب أن الأمر أجل مما يخطر ببال أو يدور فى خيال، و لا سيما عند فوز المحبين فى روضة الأنس و حظيرة القدس، بمعية محبوبهم الذي هو غاية
[١] سورة الرعد: ٢٩.
[٢] سورة الإنسان: ٦.
[٣] سورة التوبة: ٧٢.