المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣٢١ - الباب الخامس فى ذكر صلاته- صلى اللّه عليه و سلم- الضحى
و بالجملة: فليس فى أحاديث ابن عمر هذه ما يدفع مشروعية صلاة الضحى، لأن نفيه محمول على عدم رؤيته، لا على عدم الوقوع فى نفس الأمر، أو الذي نفاه صفة مخصوصة كما قدمناه. و قد روى ابن أبى شيبة عن ابن مسعود أنه رأى قوما يصلونها فأنكر عليهم و قال: إن كان و لا بد ففى بيوتكم.
و ذهب آخرون إلى استحباب فعلها غبا، فتصلى فى بعض الأيام دون بعض، و كان ابن عباس يصليها يوما و يدعها عشرة أيام. و ذهب آخرون: إلى أنها تفعل لسبب من الأسباب، و أنه- صلى اللّه عليه و سلم- إنما صلاها يوم الفتح من أجل الفتح، و كان الأمراء يسمونها صلاة الفتح. متمسكين بما قاله القاضى عياض و غيره: أن حديث أم هانئ ليس بظاهر فى أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قصد سنة الضحى، و إنما فيه أنها أخبرت عن وقت صلاته فقط، قال: و قد قيل إنها كانت قضاء عما شغل عنه تلك الليلة من حزبه فيها.
و تعقبه النووى: بأن الصواب صحة الاستدلال به، لما رواه أبو داود من طريق كريب عن أم هانئ أنه- صلى اللّه عليه و سلم- صلى سبحة الضحى [١]. و لمسلم: فى كتاب الطهارة من طريق أبى مرة عن أم هانئ فى قصة اغتساله- صلى اللّه عليه و سلم- يوم الفتح، ثم صلى ثمانى ركعات سبحة الضحى [٢]. و روى ابن عبد البر فى «التمهيد» من طريق عكرمة بن خالد عن أم هانئ قالت: قدم رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- مكة فصلى ثمانى ركعات، فقلت: ما هذه الصلاة؟ قال: «هذه صلاة الضحى» [٣].
و استدل به على أن أكثر الضحى ثمان ركعات. و استبعده السبكى.
و وجّه بأن الأصل فى العبادة التوقف، و هذا أكثر ما ورد من فعله- صلى اللّه عليه و سلم-.
و قد ورد من فعله دون ذلك كحديث ابن أبى أوفى: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- صلى الضحى ركعتين، أخرجه ابن عدى.
[١] تقدم.
[٢] تقدم.
[٣] أخرجه ابن عبد البر فى «التمهيد» (٨/ ١٣٦).