المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٠ - الرؤيا الصالحة جزء من النبوة
رجليه: «سبحان اللّه و بحمده و أستغفر اللّه، إن اللّه كان توابا، سبعين مرة» ثم يقول: «سبعون بسبعمائة، لا خير فيمن كانت ذنوبه فى يوم أكثر من سبعمائة» ثم يستقبل الناس بوجهه فيقول: «هل رأى أحد منكم شيئا؟» قال ابن زمل: فقلت ذات يوم أنا يا رسول اللّه، قال: «خير تتلقاه و شر تتوقاه، و خير لنا و شر لأعدائنا، و الحمد للّه رب العالمين اقصص رؤياك». قال: رأيت جميع الناس على طريق رحب لاحب سهل، و الناس على الجادة منطلقون، فبينما هم كذلك أشفى ذلك الطريق بهم على مرج لم تر عينى مثله، يرف رفيفا، يقطر نداه، فيه من أنواع الكلأ، فكأنى بالرعلة الأولى حين أشرفوا على المرج كبروا ثم أكبوا رواحلهم فى الطريق فلم يضلوه يمينا و شمالا، ثم جاءت الرعلة الثانية من بعدهم، و هم أكثر منهم أضعافا، فلما أشرفوا على المرج كبروا، ثم أكبوا رواحلهم فى الطريق، فمنهم المرتع، و منهم الآخذ الضغث، و مضوا على ذلك. قال: ثم قدم عظم الناس، فلما أشرفوا على المرج كبروا و قالوا: هذا خير المنزل، فمالوا فى المرج يمينا و شمالا، فلما رأيت ذلك لزمت الطريق حتى أتيت أقصى المرج، فإذا أنا بك يا رسول اللّه على منبر فيه سبع درجات، و أنت فى أعلاها درجة، و إذا عن يمينك رجل أقنى آدم [١]، إذا هو تكلم يسمو، يكاد يفزع الرجال طولا، و إذا عن يسارك رجل ربعة [٢] تارّ أحمر، كثير خيلان الوجه [٣]، إذا هو تكلم أصغيتم إليه إكراما له، و إذا أمام ذلك شيخ كأنكم تقتدون به، و إذا أمام ذلك ناقة عجفاء شارف، و إذا أنت كأنك تبعثها يا رسول اللّه. قال: فانتقع لون رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ساعة، ثم سرى عنه، فقال: «أما ما رأيت من الطريق الرحب اللاحب السهل، فذلك ما حملتكم عليه من الهدى، فأنتم عليه، و أما المرج الذي رأيت فالدنيا و غضارة عيشها، لم نتعلق بها و لم تردنا و لم نردها، و أما
[١] أقنى الأنف: ارتفاع أعلاه واحد يداب وسطه و سبوع طرفه، أو نتوء وسط القصبة، و (آدم): أى أسمر.
[٢] التار: الممتلئ البدن.
[٣] خيلان: جمع خال، و هو الشامة فى الجسد.