المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١٩ - الرؤيا الصالحة جزء من النبوة
فيقول: «من رأى منكم الليلة رؤيا فليقصها على أعبرها له، فيقص الناس عليه مرائيهم» [١]. و روى البخاري و الترمذى عن سمرة بن جندب قال: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يكثر أن يقول لأصحابه: «هل رأى أحد منكم رأيا؟» فيقص عليه من شاء اللّه أن يقص، و أنه قال ذات غداة: «هل رأى أحد منكم رؤيا» و قالوا: ما منا أحد رأى شيئا، قال: «لكنى أتانى الليلة آتيان، و إنهما ابتعثانى فقالا لى: انطلق، فانطلقت فأتيت على رجل مضطجع، و إذا آخر قائم عليه بصخرة، و إذا هو يهوى بالصخرة لرأسه فتثلغ رأسه» [٢] الحديث.
و أقام- صلى اللّه عليه و سلم- يسأل أصحابه: «هل رأى منكم الليلة أحد رؤيا، ما شاء اللّه» ثم ترك السؤال فكان يعبر لمن قص متبرعا. و اختلف النقلة فى سبب تركه السؤال:
فقيل: سبب ذلك حديث أبى بكرة- عند الترمذى و أبى داود- أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال ذات يوم: «من رأى منكم الرؤيا؟» فقال رجل: أنا يا رسول اللّه، رأيت كأن ميزانا نزل من السماء، فوزنت أنت و أبو بكر فرجحت أنت بأبى بكر، و وزن أبو بكر و عمر فرجح أبو بكر، و وزن عمر و عثمان فرجح عمر، ثم رفع الميزان. فرأينا الكراهة فى وجه رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-. انتهى.
قالوا: فمن حينئذ لم يسأل رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- أحدا عن رؤيا.
قال بعضهم: و سبب كراهته- صلى اللّه عليه و سلم- إيثاره لستر العواقب و إخفاء المراتب، فلما كانت هذه الرؤيا كاشفة لمنازلهم مبينة لفضل بعضهم على بعض فى التعيين خشى أن يتواتر و يتوالى ما هو أبلغ فى الكشف من ذلك، و للّه فى ستر خلقه حكمة بالغة و مشيئة نافذة.
و قال ابن قتيبة- فيما ذكره ابن المنير-: سبب تركه السؤال فى حديث ابن زمل: كان رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- إذا صلى الصبح قال- صلى اللّه عليه و سلم- و هو ثان
[١] صحيح: و قد تقدم من حديث ابن عمر- رضى اللّه عنهما-.
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (٧٠٤٧) فى التعبير، باب: تعبير الرؤيا بعد صلاة الصبح، و الترمذى (٢٢٩٤) فى الرؤيا، باب: ما جاء فى رؤيا النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- الميزان و الدلو، و لكنه عند الترمذى مختصرا.