المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١١٨ - الرؤيا الصالحة جزء من النبوة
عمر بن الخطاب فاستحالت غربا، فما رأيت من الناس يفرى فرية حتى ضرب الناس بعطن. رواه البخاري.
قال النووى: قالوا هذا المنام مثال لما جرى للخليفتين، من ظهور آثارهما الصالحة، و انتفاع الناس بهما، و كل ذلك مأخوذ من النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، لأنه صاحب الأمر، فقام به أكمل مقام، و قرر به قواعد الدين، ثم خلفه أبو بكر فقاتل أهل الردة و قطع دابرهم، ثم خلفه عمر فاتسع الإسلام فى زمنه. فشبه أمر المسلمين بقليب فيه الماء الذي فيه حياتهم و صلاحهم، و أميرهم المستقى لهم منها، و فى قوله: «فأخذ الدلو من يدى ليريحنى» إشارة إلى خلافة أبى بكر بعد موته- صلى اللّه عليه و سلم-، لأن الموت راحة من كد الدنيا و تعبها، فقام أبو بكر بتدبير أمر الأمة و معاناة أحوالهم. و أما قوله: «و فى نزعه ضعف» فهو إخبار عن حاله فى قصر مدة ولايته، و أما ولاية عمر فإنها لما طالت كثر انتفاع الناس بها و اتسعت دائرة الإسلام بكثرة الفتوح و تمصير الأمصار و تدوين الدواوين، و ليس فى قوله- صلى اللّه عليه و سلم-: «و اللّه يغفر له» نقض، و لا إشارة إلى أنه وقع منه ذنب، إنما هى كلمة كانوا يقولونها. و قوله: «فاستحالت فى يده غربا» أى تحولت الدلو غربا- بفتح المعجمة و سكون الراء بعدها موحدة- أى:
دلوا عظيما.
و أخرج أحمد و أبو داود عن سمرة بن جندب أن رجلا قال: يا رسول اللّه، رأيت كأن دلوا عظيما دلى من السماء فجاء أبو بكر فأخذ بعراقيها فشرب شربا ضعيفا، ثم جاء عمر فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء عثمان فأخذ بعراقيها فشرب حتى تضلع، ثم جاء على فانتشطت و انتضح عليه منها شيء. و العراقى: جمع عرقوة الدلو، و هى الخشبة المعروضة على فم الدلو، و هما عرقوتان كالصليب، و قد يقال: عرقيت الدلو إذا ركبت العرقوة فيها. و انتشطت: أى جذبت و رفعت. فهذه نبذة من مرائيه الكريمة- صلى اللّه عليه و سلم- مع تعبيرها.
و أما ما رآه غيره فعبر- صلى اللّه عليه و سلم- له بما يخص و يعم من أمور الدنيا و الآخرة. فقد كان- صلى اللّه عليه و سلم- إذا انفتل من صلاة الصبح أقبل على الصحابة