الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٣٧٦ - القول الثالث الحرمة
القول الثالث: الحرمة[١]
و هو الحق؛ لوجوه:
الأوّل: شمول قوله- تعالِی: (وَ لاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) کما سبق مفصّلاً؛ فإنّ البعض الثاني ِیشمل جمِیع أفراد الناس من الصغِیر و الکبِیر و الحيّ و المِیّت و حتِّی المجنون. و محدودِیّة البعض الأوّل في الآِیة بقرِینة ذکر قوله- تعالِی: (لاَ يَغْتَبْ) المبِیّن للتکلِیف بالنسبة إلِی المغتاب- بالکسر. و أمّا المغتاب- بالفتح- فلا دلِیل علِی محدودِیّته؛ مثل النهي عن الظلم و الإِیذاء و غِیرهما و الغِیبة نوع ظلم.
الثاني: شمول قوله- تعالِی: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا)[٢] فإنّ شِیوع الأعمال القبِیحة في الاجتماع قبِیح مذموم عقلاً و نقلاً. و الشِیوع ِیشمل نقل عمل القبِیح حتِّی من الصبيّ و المجنون؛ لأنّ الأعمال القبِیحة في عرف المتشرّعة- مثل الکذب و السرقة و الزنا و اللواط و أمثالها- أعمال قبِیحة مع قطع النظر إلِی فاعلها. و خصوصِیّة الفاعل لا تؤثّر في رفع القبح، بل تؤثّر في المجازات، کما في الصغار و المجانِین.
الثالث: الرواِیات الدالّة علِی حرمة اغتِیاب الناس بلا اختصاص بالأخ و المؤمن، کما سبق؛ فإذا حرم اغتِیاب الکفّار و أهل سائر الأدِیان، فحرمة غِیبة الصبيّ الممِیّز المؤمن أو غِیر الممِیّز المحترم عند الناس- و لو باعتبار أبوِیه و أقربائه و هکذا المجنون المنتسب إلِی أبوِیه و أقربائه بطرِیق أولِی. هذا علِی المبنِی المختار، فراجع.
و غِیرها من الأدلّة العقلِیّة و العقلائِیّة و النقلِیّة؛ فإنّ الغِیبة قد تکون فِیها الإِیذاء و قد تکون فِیها شِیوع الأعمال القبِیحة. و قد تکون فِیها عدم احترام المؤمن و لو لم ِیصل إلِی حدّ الإِیذاء. و قد تکون فِیها إِیجاد الاختلاف و الفتنة. و قد تکون فِیها خلاف العهد و التعهّد و أمثالهما.
و قد ِیکون بعضها دون بعض. و بارتفاع بعضها لا ترتفع الحرمة؛ فالأقوِی حرمة غِیبة الصبيّ الممِیّز و غِیر الممِیّز و المجنون و لکن مراتب الحرمة متفاوتة بِین الشدّة و الضعف؛ فإنّ اغتِیاب
١ . أنوار الفقاهة (كتاب التجارة): ٢٨١ - ٢٨٢.
٢ . النور: ١٩.