الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٢٦٠ - دلیل القول الثاني
الأفعال- فليس من الغيبة موضوعاً و إن كان منها حكماً، بل أعظم منها تحريماً، فإنّ ما يقصد به التهكّم و التفكّه و السخريّة و الاستهزاء و إضحاك الناس من الإشارة و حكاية الأفعال أعظم من الغيبة تحريماً و لكنّه ليس منها موضوعاً، لغةً و عرفاً. و إطلاق الغيبة على إشارة عائشة بيدها للمرأة القصيرة في الحديث النبويّ[١] من المجاز[٢].
نعم، لا فرق في اللفظ بين ما يدلّ على المكروه صريحاً و بين ما يدلّ عليه كنايةً و تعريضاً. و لو سلّمنا صدق الغيبة مع إشارة الأخرس أو مع مطلق الإشارة أو مع الكتابة فلا نسلّم صدقها مع التحاكي بالأفعال. و لعلّ من ألحقها بالغيبة أراد الإلحاق الحكميّ لا الإسمي و لا ريب فيه»[٣].
ِیلاحظ علِیه: أنّ المعلوم من کلمات اللغوِیِّین و الرواِیات هو کون ذکر ألفاظ الذکر و التکلّم و القول في کلماتهم لکونها الغالب في مقام التفهِیم و التفهّم لا لخصوصِیّة فِیها. و هذا لِیس من الاُمور التعبّدِیّة المحضة؛ کما ِیشاهد علِیه قوله- تعالِی:(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ). و لذا صرّح رحمه الله بقوله: «و إن کان منها حکماً، بل أعظم منها تحرِیماً» فما ِیدلّ علِی التحرِیم حکماً مع کونه أعظم هو الآِیة أو الرواِیات. و العمدة أنّ هذا غِیبة موضوعاً و حکماً أو حکماً فقط. و ِیأتي هذا البحث في الکذب العمليّ و التهمة العملِیّة و أمثالهما.
القول الثاني: الغِیبة منحصرة بالذکر و الکلام[٤]
إشکال في القول الثاني
أقول: إنّ هذا القول هو مخالف لعرف المتشرّعة و غِیر المتشرّعة و مخالف لبناء العقلاء، مع أنّ في الإشارة و الفعل و الکتابة تصدق الغِیبة؛ کما هو ثابت في أمثال الکذب و التهمة.
دلِیل القول الثاني
إنّ صدر الصحيحة [داود[٥]] و رواية عبد الرحمن[٦] يخصّصها[٧] بالقول[٨].
١ . بحار الأنوار ٧٢: ٢٢٤. (هذه الرواية مرفوعة و ضعيفة).
٢. أحکام المتاجر المحرّمة (کاشف الغطاء، الشيخ مهديّ النجفي): ١٦٢ - ١٦٣.
٣ . أحکام المتاجر المحرّمة (کاشف الغطاء، الشيخ مهديّ النجفي): ١٦٢ - ١٦٣.
٤ . مستند الشيعة ١٤: ١٦٤ (الأظهر).
٥ . مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ [الکليني: إماميّ ثقة] عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ [بن عامر: إماميّ ثقة] عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ [البصري: مختلف فيه و هو إماميّ ثقة ظاهراً] عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْوَشَّاءِ [إماميّ ثقة] عَنْ دَاوُدَ بْنِ سِرْحَانَ [العطّار: إماميّ ثقة] قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علِیه السلام عَنِ الْغِيبَةِ؟ قَالَ: "هُوَ أَنْ تَقُولَ لِأَخِيكَ فِي دِينِهِ مَا لَمْ يَفْعَلْ وَ تَبُثَّ عَلَيْهِ أَمْراً قَدْ سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ فِيهِ حَدٌّ". وسائل الشيعة ١٢: ٢٨٨، ح ١. (هذه الرواية مسندة، صحيحة علي الأقوي).
٦ . [مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الکليني: إماميّ ثقة] عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ [بن هاشم القمّي: إماميّ ثقة] عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى [بن عبيد: إماميّ ثقة] عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ [إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع] عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَيَابَةَ [الکوفي: مختلف فيه و هو إماميّ ثقة علي الأقوي] قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ علِیه السلام يَقُولُ: "الْغِيبَةُ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَ أَمَّا الْأَمْرُ الظَّاهِرُ مِثْلَ الْحِدَّةِ وَ الْعَجَلَةِ فَلَا وَ الْبُهْتَانُ أَنْ تَقُولَ فِيهِ مَا لَيْسَ فِيهِ". وسائل الشيعة ١٢: ٢٨٨، ح ٢. (هذه الرواية مسندة، صحيحة علي الأقوي).
٧ . تعميم صحيحة داود.
٨ . مستند الشيعة ١٤: ١٦٤ (الأظهر).