الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٢٦٤ - الدلیل الأوّل الآیات
الآخرة، أو لتشبيهه بالسباع و الكلاب، أو لكون حرمة الغيبة كحرمة أكل الميتة، بل أعظم. و قد شبّه عرض المؤمن باللحم، فإنّه ينتقص بالهتك. فإنّ المؤمنين إخوة و من طبيعة الإخوة أن يكون بينهم تحابب و توادد.
و شبّه المغتاب- بالفتح- بالميّت؛ لعدم حضوره في أكثر حالات الاغتياب. و صدر- سبحانه و تعالى- الجملة بالاستفهام الانكاري إشعاراً للفاعل بأنّ هذا العمل يقبح أن يصدر من أحد؛ إذ كما لا يجب[١]أحد أن يأكل لحم أخيه الميّت- لاشمئزاز طبعه عنه و شدّة رأفته به- و كذلك لا بدّ و أن يشمئزّ عقله عن الغيبة؛ لكونها هتكاً لعرض أخيه المؤمن»[٢].
أقول: کلامه رحمه الله متِین.
و قال بعض الفقهاء حفظه الله: «نهى فيها عن ثلاثة أشياء كلّ واحد علّة للآخر في الحقيقة و هي الظنّ السوء، ثمّ التجسّس، ثمّ الغيبة. و فيها أبلغ تشبيه بالنسبة إلى قبح الغيبة و حقيقتها من حيث هتك الأعراض، حيث شبّه اللّه- تعالى- عرض المؤمن بلحمه و غيبته بأكل لحمه و كونه على ظهر الغيب بكونه ميّتاً. و اعتمد على تنفّر الطباع منه، كي يبعثهم على ترك هذه المعصية الكبيرة بمقتضى عقولهم، ثمّ أكّده بالأمر بالتقوى الباعث على كلّ خير و ترك كلّ شرّ، ثمّ أمر بالتوبة تلويحاً و وعد قبولها بما يجلب القلوب إلى امتثال هذا الحكم»[٣].
أقول: کلامه دام ظلّه في کمال المتانة.
و قال بعض الفقهاء حفظه الله: «لسان الدليل هو الحرمة المؤكّدة بشهادة التشبيه البديع الوارد فيها، حيث نزّل الأخ المؤمن منزلة الأخ النسبيّ الذي لا ينفكّ- حسب العادة- عن الودّ و الحبّ و جعل عرضه بمنزلة لحمه الذي يشكّل بدن الإنسان و به قوام حياته و عدّ التفكّه أكلاً للحمه، كما نزّل غيبته و عدم قدرته على الدفاع منزلة كونه ميّتاً. و في الآية من بديع البلاغة ما لا يخفى. و على كلّ تقدير فالنهي مع التشبيه ثمّ التعقيب بالأمر بالتقوى، آية الحرمة المؤكّدة»[٤].
١ . الصحيح: لا يحب.
٢ . مصباح الفقاهة ١: ٣١٨ - ٣١٩ (التلخيص).
٣ . أنوار الفقاهة (كتاب التجارة): ٢٧٠.
٤ . المواهب: ٥٥٦ .