سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٩٠ - بوادر انحلال الوثنية
و قال ابن اسحاق: ان صفية بنت الحضرمي كانت كلما رأت زيدا قد تهيأ للخروج من مكة يبحث عن الحنيفية دين ابراهيم اخبرت عمه الخطاب بن نفيل، فيأتيه و يحول بينه و بين ما يريد، و لما أصر زيد على الخروج آذاه الخطاب و أخرجه الى خارج مكة فنزل حراء و وكل به جماعة من شباب قريش و سفهائها، و قال لهم لا تتركوه يدخل مكة، فكان لا يدخلها إلا سرا، فاذا علموا به اخبروا الخطاب و أخرجوه كراهية ان يفسد عليهم دينهم، و ان يتابعه احد منها على طريقته، ثم انه خرج من الحجاز في طلب الحنيفية، و مضى يسأل الرهبان و الأحبار حتى بلغ الموصل و الجزيرة و تجول في بلاد الشام، و انتهى الى راهب في أرض مرتفعة من أرض البلقاء [١] ينتهي إليه علم النصرانية فسأل عن دين ابراهيم فقيل له: انك لتطلب دينا ما أنت بواجد من يحملك عليه اليوم، و لكن قد أطل زمان نبي يخرج من بلادك التي خرجت منها يبعث بدين ابراهيم، فانه مبعوث الآن و هذا زمانه. و كان قد تعرف على اليهودية و النصرانية فلم يرض منهما شيئا فخرج مسرعا باتجاه مكة حين سمع ذلك من الرهبان، حتى إذا توسط بلاد لخم عدوا عليه فقتلوه، فبكاه ورقة بن نوفل لما انتهى إليه خبره و رثاه بهذه الأبيات:
رشدت و انعمت ابن عمرو و انما* * * تجنبت تنورا من النار حاميا
بدينك ربا ليس رب كمثله* * * و تركك أوثان الطواغي كما هيا
و أدركك الدين الذي قد طلبته* * * و لم تك عن توحيد ربك ساهيا
فأصبحت في دار كريم مقامها* * * تعلل فيها بالكرامة لاهيا
و كما ذكرنا فإن زيدا هذا لم يكن الوحيد الذي سئم ما كان عليه عرب الجزيرة من عبادة الأحجار و الأصنام و التماثيل و استخف بها و بمن يعبدونها من
[١] البلقاء في سوريا بين الشام و وادي القرى قصبتها عمان و فيها قرى كثيرة و مزارع واسعة كما جاء في معجم البلدان.