سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٦٩ - غزوة مؤتة
النبي و يخبروه باستعداد القوم و عدد جيوشهم، فإما ان يمدهم بالرجال و يأمرهم بالمضي، او يأمرهم بالرجوع، و كاد هذا الرأي ان يتغلب لو لا ان عبد اللّه بن رواحة وقف في القوم يشجعهم و يقول: يا قوم و اللّه إنا لم نكن نقاتل الناس بعدد و كثرة بل نقاتل بهذا الدين الذي اكرمنا اللّه به، فإنما هي احدى الحسنيين اما ظهور على العدو، و اما الشهادة فكان لهذه الكلمات اثرها الطيب على تلك النفوس المؤمنة فصمموا على المضي و القتال مهما كانت النتائج و مضوا في طريقهم، فلما بلغوا ارض البلقاء بلغهم ان جيش الروم يرابط في قرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف، فانحاز المسلمون الى قرية يقال لها مؤتة و عبأوا جيوشهم بها و لما التقى الجمعان ثلاثة آلاف مسلم من جهة، و مائتا الف من جيوش الروم في مقابلهم في الجهة الثانية، فأخذ الراية زيد بن حارثة و حمل على القوم بمن معه من المسلمين بسيوفهم و رماحهم يقاتلون قتال المستميت الذي لا يطمع في الحياة ابدا و ظل يقاتل لفترة من الزمن حتى قتل فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب و مضى بها يقاتل و يشد على القوم بسيفه فينفرجون عنه و هم كالسيل لا يدرك البصر آخرهم.
و يروي المؤرخون عمن حضروا تلك المعركة انه لما احتدم القتال اقتحم عن فرس له شقراء و عقرها حتى لا يبقى له امل بالفرار و حمل على القوم راجلا و مضى يقاتل و يقتل كل من دنا منه حتى احاطوا به من كل جانب فضربه رومي على يمينه فقطعها فأخذ الراية بيساره، فضربه آخر على يساره فقطعها فاحتضن الراية فضربه احدهم بالسيف فقطعه نصفين، فوجدوا في احد نصفيه خمسة و ثلاثين جرحا.
و جاء في رواية ثانية انهم وجدوا في مقدم بدنه تسعين جرحا ما بين طعنة برمح و ضربة بسيف.
و جاء في مجاميع الحديث السنية و الشيعية ان النبي (ص) قال لقد ابدله اللّه بهما جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة.