سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٦٦ - غزوة مؤتة
و انصراف الناس و انسل من بين القتلى مثخنا بالجراح و رجع الى المدينة ليخبر النبي بما جرى له و لأتباعه الى غير ذلك مما قيل حول اسباب هذه الغزوة و دوافعها.
و ليس ببعيد ان يكون الدافع الى هذه الغزوة المؤلفة من جيش لا يتجاوز الثلاثة آلاف مقاتل كما تجمع الروايات على ذلك بعد ارسال الرسل الى هرقل و غيره من الملوك و الامراء، هو ان النبي (ص) لم يرسل الى عرب الحجاز وحدهم بل ارسل الى العالم بأسره، و بعد ان اصبح بحكم المطمئن على دعوته في شبه الجزيرة كان يفكر ان يجد لها منفذا لخارج المنطقة التي انطلقت منها، و كانت الدولة الرومانية هي الدولة الكبرى التي امتد نفوذها لبلاد الشام المتصلة بحدود الحجاز وصلة المكيين و الحجازيين بتلك البلاد اوثق من صلتهم بأي بلد آخر، فأرسل دعاته اولا و قواته ثانيا لا للحرب و لكن للدعوة الى الاسلام، اما الحرب فهي آخر ما كان يفكر فيه، و لذا فقد اوصى قواد تلك السرية بالدعوة الى الاسلام و بذل جميع المحاولات لإقناعهم و ان لا يستعملوا القوة الا اذا اضطروا إليها كما كان يصنع هو نفسه في غزواته مع مشركي مكة و عرب الحجاز و يهودها.
و لم يكن يحسب بأنهم سيصطدمون بتلك الحشود الهائلة التي يقدرها فريق من الرواة بمائة الف و فريق آخر بمائتي ألف، و حتى لو كان يعلم ذلك فلم يكن في سائر غزواته و حروبه يقدر للكثرة قدرا او يحسب لها حسابا، و مع ان جيشه رجع كالمنهزم من تلك المعركة و مني بخسائر فادحة في الارواح الا انه ترك اثرا عميقا في نفوس اولئك الحكام الذين كانوا يتصورون ان بإمكانهم القضاء على محمد و اصحابه متى ارادوا.
لقد ايقنوا بعد تلك الغزوة ان محمدا و اتباعه قد اصبحوا قوة بين القوى الموجودة في العالم، و انهم بإيمانهم و إخلاصهم لعقيدتهم و مبادئهم يطمحون الى اخضاع الدول الكبرى و لا يهابون العدة و العدد مهما بلغ شأنهما، و قد