سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٥٠٠ - الفصل الخامس عشر غزوة الخندق
و رجع النبي و معه اصحابه الى المدينة بعد ان وقفوا في وجه الغزاة اكثر من عشرين يوما ليلا و نهارا قد اعياهم الجوع و السهر و الخوف من تسلط العدو على نسائهم و ذراريهم و تمنوا ان يخلدوا الى الراحة و لو اياما قليلة بعد تلك الغزوة الطويلة التي لم يسبق للمسلمين و حتى ليثرب في تاريخها الطويل ان عانت ما عانته في تلك الأيام من الخوف و القلق و الجوع كما ذكرنا، و قد أوجز اللّه سبحانه حالتهم بالآية التالية:
إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً (الأحزاب ١٠- ١١).
لقد تمنى المسلمون بعد تلك الجهود المضنية لو يتاح لهم ان يخلدوا الى الراحة و لو بضعة أيام، و لكن انى لهم الراحة و الاطمئنان على مصيرهم، و اليهود الذين اغروا قريشا و غطفان و غيرهما من الأعراب بالوقوف الى جانبهم في ذلك الغزو الذي كاد ان يقضي على المسلمين لو لا العناية الالهية التي و فرت للمشركين اسباب الهزيمة و بدت طلائعها ابتداء من قتل علي (ع) لعمرو بن ود العامري و نوفل بن عبد اللّه و فرار من معهما من الأبطال الذين استطاعوا عبور الخندق، و التدابير الحكيمة التي اتخذها النبي (ص) بواسطة نعيم بن مسعود لتشتيت امرهم و تمزيق وحدتهم، و انتهاء بتلك العواصف و الصواعق و الأمطار التي سدت عليهم جميع المنافذ و لم تترك لهم مجالا للاستقرار و البقاء و لا املا بالسلامة، و امتلأت قلوبهم من الخوف و الرعب.
هؤلاء الذين ساهموا في حشد تلك الألوف و انضموا إليهم متجاهلين معاهدتهم للنبي و عهودهم التي قطعوها على انفسهم بالوفاء لجميع بنودها، هؤلاء لا يزالون الى جانبهم في المدينة و نفوسهم لا تنطوي على غير المكر و الغدر و الخداع و سيمثلون بالغد القريب نفس الدور الذي مثلوه بالأمس مع قريش و احلافها من الأعراب في غير ذلك الفصل الذي حدثت فيه تلك