سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٤٩٩ - الفصل الخامس عشر غزوة الخندق
صبيحة يومهم التالي بعد ان يئسوا من بني قريظة، و كانت قبلها تحصل مناوشات بين الطرفين بالنبال و السهام، فلما كان الليل عصفت ريح شديدة هو جاء مصحوبة بأمطار و صواعق لا عهد لأحد منهم بها و ظلت العواصف و الأمطار تشتد حتى اقتلعت خيامهم و كفأت قدورهم و داخلهم من الرعب و الخوف ما لم يعهدوه في تاريخهم الطويل، و خيل إليهم ان المسلمين سينتهزون هذه الفرصة للوثبة عليهم و التنكيل بهم.
فقام طلحة بن خويلد و نادى ان محمدا قد بدأكم بالشر فالنجاة النجاة، و قال ابو سفيان: يا معشر قريش انكم و اللّه ما اجتمعتم بدار مقام لقد هلك الكراع و الخف و اخلفتنا بنو قريظة و بلغنا عنهم ما نكره و قد لقينا من شدة الريح ما ترون فارتحلوا فاني راحل الساعة فأسرع القوم و العواصف تعبث بخيامهم و امتعتهم و استخفوا ما امكنهم حمله في تلك الحالة من امتعتهم، و انطلقوا بمن معهم من غطفان و الأحزاب راجعين عن المدينة و قد استولى عليهم الخوف و الرعب و لم يعد لهم طمع بالنجاة بأنفسهم تاركين الكثير من امتعتهم حيث كانوا.
و جاء في كتب التاريخ و السيرة عن حذيفة بن اليمان ان رسول اللّه قد دعا عليهم و سأل اللّه سبحانه ان يكشف عنه ما احاط به من البلاء و يصرف عنه شرهم، و لما احس ان القوم يتحركون مذعورين التفت الى المسلمين و قال من منكم يذهب إليهم و ينظر لنا ما فعلوا و أنا أضمن له ان يكون رفيقي في الجنة، فلم يقم احد، فدعاني رسول اللّه لذلك، فلم اجد بدا من تنفيذ امره، فقمت و ذهبت الى القوم و دخلت بينهم و الريح و جنود اللّه تفعل بهم ما تفعل و هم يستعدون للانصراف فما زلت بينهم حتى انصرفوا فرجعت و اخبرت رسول اللّه بحالهم فحمد اللّه سبحانه و الى ذلك تشير الآية:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً (الأحزاب ٩).