سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ٢٧٤ - الاعداد للمستقبل
المسلمين و المشركين و أهل الكتاب من اليهود كبني قينقاع و بني النظير و قريظة المقيمين على مقربة منها مخافة ان تثور بينهم البغضاء و العصبيات و تعصف بهم الأحقاد، فيصبح حينذاك بين خطرين خطر التفكك و الخصومات المحلية و خطر قريش التي ارتحل عنها هو و أصحابه المؤمنون برسالته.
و لو لا هذا التدبير الذي ابدى فيه النبي منتهى المهارة و المقدرة و الحنكة، و الذي وحد فيه بين المواطنين على ما كان بينهم من عداء و خصومات موروثة، لو لا ذلك لوجد من الصعوبات و المشاق في نشر دعوته و هو في يثرب ما لا يقل عما وجده خلال ثلاثة عشر عاما، و لم يكن في مقدوره ان يحقق تلك الانتصارات الباهرة التي مكنت لدعوته ان تنتشر في شبه الجزيرة خلال سنوات معدودات، و تتعدى شبه الجزيرة الى ما وراءها لتهد عروش الطغاة و الظالمين.
و قال الاستاذ هيكل حول ذلك الموقف الذي وقفه النبي من سكان المدينة على اختلاف نزعاتهم و معتقداتهم، فقد قال: و لكن العمل السياسي الجليل حقا و الذي يدل على اعظم الاقتدار ذلك ما وصل إليه محمد (ص) من تحقيق وحدة يثرب و وضع نظامها السياسي بالاتفاق مع اليهود على أساس متين من الحرية و التحالف.
و قد رأيت اليهود كيف احسنوا استقباله املا في استدراجه الى حقوقهم، و بادر هو الى رد تحيتهم بمثلها و إلى توثيق صلاته بهم فتحدث الى رؤسائهم و تقرب إليه كبراؤهم، و ربط بينه و بينهم برابطة المودة باعتبار انهم اهل كتاب موحدون، و كانت قبلته في الصلاة ما تزال إلى بيت المقدس، و ما كانت الأيام لتزيده باليهود او لتزيد اليهود به إلا مودة و قربى، كما ان سيرته و عظيم تواضعه و جميل عطفه و حسن وفائه و فيض بره بالفقير و اليائس و المحروم، و ما اورثه ذلك من قوة السلطان على أهل يثرب، كل ذلك وصل بالأمر بينه و بينهم الى عقد معاهدة صداقة و تحالف، و تقرير لحرية الاعتقاد.