سيرة المصطفى نظرة جديدة - هاشم معروف الحسني - الصفحة ١٣٢ - الفصل الرابع الدعوة العامة
المغتصبة، لأن اول ما يدعو إليه هو تحرير الانسان من سيطرة الطغاة و المتجرين و من عبادة الأوثان و الأصنام، و الرجوع الى خالق الأرض و السماء و ما فيهما من عجائب المخلوقات، و يدعو مع ذلك الى العمل الذي ينفع الناس و ينهى عن السيئات التي تصنع الحجب بينه و بين اللّه، و عليها يحاسب و يعاقب يوم تجزى كل نفس بما كسبت.
لقد رأى محمد (ص) ان الانظار قد اتجهت إليه و أقبلت على دعوته فبدأ يتحرك الى حد انه ما من يوم الا و يرى وافدا جديدا يتمرد على قومه، و آخر يتمرد على أوضاع المكيين و عاداتهم، و ثالثا يتمرد على أسياده، و مع كل ذلك فلقد كان يتستر في الدعوة الى اللّه.
اما و قد شاع خبرها بين جميع الأوساط بالرغم من تستر النبي بها فقد حان الأوان بأن يعلنها للجميع مهما كانت النتائج و مهما كانت الاحتمالات فصعد على الصفا يوما و نادى بنفس الأسلوب الذي نادى به بني هاشم و بني عبد المطلب بالأمس القريب كما جاء في رواية الطبري في تاريخه و ابن هشام في سيرته، فاقبلوا عليه من كل ناحية يتزاحمون لسماع مقالته فلما رآهم قد أقبلوا يتهافتون عليه قال: أ رأيتم لو أخبرتكم ان خيلا في سفح هذا الجبل قد طلعت عليكم أ كنتم مصدقيّ، فقالوا بلسان واحد: نعم أنت عندنا غير متهم و ما جربنا عليك كذبا قط، قال: اني نذير لكم من عذاب شديد، يا بني عبد المطلب و يا بني عبد مناف و يا بني زهرة و يا بني تميم، و يا بني مخزوم و أسد و مضى يعدد جميع قبائل مكة و فروعها، ثم قال: ان اللّه امرني ان انذركم من عقابه و اني لا املك لكم من الدنيا منفعة و لا من الآخرة نصيبا الا ان تقولوا لا إله إلا اللّه، فنهض ابو لهب و كان رجلا بدينا سريع الغضب على حد تعبير الراوي، و صاح به تبا لك سائر اليوم أ لهذا جمعت الناس؟ و تفرقوا عنه يتشاورون في امره و يعدون العدة للقضاء على دعوته في مهدها قبل ان يستفحل خطرها و تمتد الى خارج مكة و اتفقوا بادئ الأمر ان يحاربوه بالتكذيب و السخرية و تعذيب كل من يحاول الانضمام إليه و تصديقه.