المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٩٩ - الرؤيا الصالحة جزء من النبوة
قال الحكيم [١]: قال بعض أهل التفسير فى قوله تعالى: وَ ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [٢] أى فى المنام. و رؤيا الأنبياء وحى بخلاف غيرهم، فالوحى لا يدخله خلل لأنه محروس، بخلاف رؤيا غير الأنبياء فإنه قد يحضرها الشيطان.
و قال الحكيم أيضا: و كل اللّه بالرؤيا ملكا اطلع على أحوال بنى آدم من اللوح المحفوظ فينسخ منها، و يضرب لكل على قصته مثلا، فإذا نام مثلت له تلك الأشياء على طريق الحكمة الإلهية لتكون له بشرى أو نذارة أو معاتبة، و الآدمى قد يسلط عليه الشيطان لشدة العداوة بينهما، فهو يكيده بكل وجه، و يريد إفساد أموره بكل طريق، فيلبس عليه رؤياه إما بتغليطه فيها أو بغافلته عنها.
الرؤيا الصالحة جزء من النبوة:
و فى البخاري من حديث أنس: أن رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «الرؤيا الحسنة من الرجل الصالح جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة» [٣].
و المراد غالب رؤيا الصالحين، و إلا فالصالح قد يرى الأضغاث، و لكنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم، بخلاف عكسهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة تسلطه عليهم. و قد استشكل كون الرؤيا جزءا من النبوة، مع أن النبوة انقطعت بموته- صلى اللّه عليه و سلم-.
و أجيب: بأن الرؤيا إن وقعت منه- صلى اللّه عليه و سلم- فهى جزء من أجزاء النبوة حقيقة، و إن وقعت من غير النبيّ فهى جزء من أجزاء النبوة على سبيل المجاز. و قيل: المعنى أنها جزء من علم النبوة، لأن النبوة و إن انقطعت فعلمها باق. و تعقب بقول مالك- كما حكاه ابن عبد البر- أنه سئل: أ يعبر الرؤيا كل أحد؟ فقال: أ بالنبوة يلعب. ثم قال: الرؤية جزء من النبوة.
[١] هو السابق.
[٢] سورة الشورى: ٥١.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٦٩٨٣) في التعبير، باب: رؤيا الصالحين.