المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٨٤ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
و قول سفيان التمار لا حجة فيه، كما قال البيهقي لاحتمال أن قبره- صلى اللّه عليه و سلم- فى الأول لم يكن مسنما. فقد روى أبو داود و الحاكم من طريق القاسم بن محمد بن أبى بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه، اكشفى لى عن قبر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فكشفت لى عن ثلاثة قبور لا مشرفة و لا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء [١]. زاد الحاكم: فرأيت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- مقدما و أبو بكر رأسه بين كتفى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و عمر رأسه عند رجلى النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-. و هذا كان فى خلافة معاوية. فكأنها كانت فى الأول مسطحة، ثم لما بنى جدار القبور فى إمارة عمر بن عبد العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة.
و قد روى أبو بكر الآجرى فى كتاب «صفة قبر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-» من طريق إسحاق بن عيسى ابن بنت داود بن أبى هند، عن عثيم بن نسطاس المدنى قال: رأيت قبر النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى إمارة عمر بن عبد العزيز: رأيته مرتفعا نحوا من أربع أصابع، و رأيت قبر أبى بكر وراء قبره، و رأيت قبر عمر وراء قبر أبى بكر أسفل منه.
ثم الاختلاف فى ذلك فى أنهما أفضل، لا فى أصل الجواز، و رجح المزنى التسنيم من حيث المعنى، بأن المسطح يشبه ما يصنع للجلوس، بخلاف المسنم. و يرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه أمر بقبر فسوى ثم قال: سمعت رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- يأمر بتسويتها.
و عن هشام بن عروة عن أبيه: لما سقط عليهم الحائط، يعنى حائط حجرة النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى زمان الوليد بن عبد الملك، أخذوا فى بنائه، فبدت لهم قدم ففزعوا و ظنوا أنها قدم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، فما وجدوا أحدا يعلم ذلك حتى قال لهم عروة، و اللّه ما هى قدم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم-، و اللّه ما هى إلا قدم عمر [٢]، رواه البخاري أيضا.
[١] صحيح: أخرجه أبو داود (٣٢٢٠) فى الجنائز، باب: فى تسوية القبر. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-. و الحديث صححه الشيخ الألبانى فى «صحيح سنن أبى داود».
[٢] صحيح: أخرجه البخاري (١٣٩٠) فى الجنائز، باب: ما جاء فى قبر النبيّ و أبى بكر و عمر. من حديث عروة بن الزبير بن العوام- رضى اللّه عنهما-.