المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٥٦ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
له عائشة: يا رسول اللّه، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء، قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فعاودته بمثل مقالتها، فقال: «إنكن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس» [١]. رواه الشيخان و أبو حاتم و اللفظ له. و فى رواية: إن أبا بكر رجل أسيف [٢].
و فى حديث عروة عن عائشة عند البخاري: فمر عمر فليصل بالناس، قالت: قلت لحفصة قولى له إن أبا بكر إذا قام فى مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم-:
«مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس»، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرا [٣].
و الأسيف: بوزن فعيل، و هو بمعنى فاعل، من الأسف و هو شدة الحزن، و المراد به هنا، رقيق القلب. و لابن حبان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عائشة فى هذا الحديث: قال عاصم: و الأسيف الرقيق الرحيم، و صواحب: جمع صاحبة، و المراد: أنهن مثل صواحب يوسف فى إظهار ما فى الباطن. ثم إن هذا الخطاب، و إن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة و هى عائشة- رضى اللّه عنها-. و وجه المشابهة بينهما فى ذلك أن زليخا استدعت النسوة و أظهرت لهن الإكرام بالضيافة، و مرادها الزيادة على ذلك و هو أن ينظرن إلى حسن يوسف و يعذرنها فى محبته، و أن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، و مرادها زيادة على ذلك، و هو أن لا يتشاءم الناس به. و قد صرحت هى بذلك، كما عند البخاري فى باب وفاته- صلى اللّه عليه و سلم- فقالت: لقد راجعته و ما حملنى على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع فى قلبى أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا. و أن لا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به.
[١] صحيح: أخرجه البخاري (٦٦٤) فى الأذان، باب: حد المريض أن يشهد الجماعة، و مسلم (٤١٨) فى الصلاة، باب: استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض أو سفر.
من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٢] تقدم فى الذي قبله.
[٣] تقدم.