المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٤٦ - المقصد العاشر الفصل الأول فى إتمامه تعالى نعمته عليه بوفاته و نقلته إلى حظيرة قدسه لديه- صلى اللّه عليه و سلم
- عند الإسماعيلى- كان يقول: «أين أنا غدا» حرصا على بيت عائشة، فلما كان يومى أذن له نساؤه أن يمرض فى بيتى [١].
و عن عائشة: أتى رسول اللّه- صلى اللّه عليه و سلم- ذات يوم من جنازة بالبقيع، و أنا أجد صداعا فى رأسى، و أنا أقول: وا رأساه، فقال: «بل أنا وا رأساه»، ثم قال: «ما ضرك لو مت قبلى فغسلتك و كفنتك و صليت عليك و دفنتك»، فقالت: لكأنى بك و اللّه لو فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتى فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسم- صلى اللّه عليه و سلم-، ثم بدأ فى وجعه الذي مات فيه [٢]. رواه أحمد و النسائى.
و فى البخاري، قالت عائشة: وا رأساه فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «ذاك لو كان و أنا حى فأستغفر لك و أدعو لك»، فقالت عائشة: وا ثكلاه، و اللّه إنى لأظنك تحب موتى، فلو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسا ببعض أزواجك، فقال- صلى اللّه عليه و سلم-: «بل أنا وا رأساه»، لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبى بكر و ابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى اللّه و يدفع المؤمنون، أو يدفع اللّه و يأبى المؤمنون [٣].
و قوله: «بل أنا وا رأساه» إضراب، يعنى: دعى ذكر ما تجدينه من وجع رأسك و اشتغلى بى. فإن قلت: قد اتفقوا على كراهة شكوى العبد كربه، و روى أحمد فى الزهد عن طاوس أنه قال: «أنين المريض شكوى»، و جزم أبو الطيب و ابن الصباغ و جماعة من الشافعية أن تأوه المريض مكروه.
قلت: تعقبه النووى فقال: هذا ضعيف أو باطل، فإن المكروه ما ثبت فيه نهى مخصوص، و هو لم يثبت فيه ذلك، ثم احتج بحديث عائشة هذا،
[١] تقدم.
[٢] أخرجه الدارمى (٨٠) فى المقدمة، باب: وفاة النبيّ، و أصله فى الصحيح و سيأتى فى الذي بعده. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.
[٣] صحيح: أخرجه البخاري (٥٦٦٦) فى المرضى، باب: قول المريض إنى وجع أو وا رأساه. من حديث عائشة- رضى اللّه عنها-.