المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٥٠ - ذكر دوائه- صلى اللّه عليه و سلم- من داء السحر
و قال ابن القيم: من أنفع الأدوية و أقوى ما يؤخذ من النشرة [١] مقاومة السحر الذي هو من تأثير الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية من الذكر و الدعاء و القراءة، فالقلب إذا كان ممتلئا من اللّه مغمورا بذكره، و له ورد من الذكر و الدعاء و التوجه لا يخل به، كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له، قال: و سلطان تأثير السحر هو فى القلوب الضعيفة، و لهذا كان غالب ما يؤثر فى النساء و الصبيان و الجهال، لأن الأرواح الخبيثة إنما تتسلط على أرواح تلقاها مستعدة لما يناسبها، انتهى ملخصا.
و يعكر عليه حديث الباب، و جواز السحر على النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- مع عظم مقامه، و صدق توجهه و ملازمة ورده، و لكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، و إنما وقع به- صلى اللّه عليه و سلم- لبيان تجويز ذلك عليه.
و أما ما يعالج به من النشرة المقاومة للسحر، فذكر ابن بطال: أن فى كتب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر [٢] أخضر، فتدق بين حجرين ثم يضرب ذلك بالماء، و يقرأ فيه آية الكرسى و القلاقل [٣] ثم يحسو منه ثلاث حسيات ثم يغتسل به، فإنه يذهب عنه ما كان به، و هو جيد للرجل إذا احتبس عن أهله. و ممن صرح بجواز النشرة، المزنى عن الشافعى، و أبو جعفر الطبرى و غيرهما. انتهى.
و قال ابن الحاج [٤] فى «المدخل»: كان الشيخ أبو محمد المرجانى أكثر تداويه بالنشرة يعملها لنفسه و لأولاده و لأصحابه فيجدون على ذلك الشفاء،
[١] النشرة: بضم النون، ضرب من الرقية و العلاج يعالج به من كان يظن أن به مسّا من الجن، سميت نشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء، أى: يكشف و يزال، «النهاية» فى غريب الحديث، مادة (نشر).
[٢] السدر: شجر النبق.
[٣] يقصد: قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، و المعوذتين.
[٤] هو: الإمام العالم، أبو عبد اللّه، محمد بن محمد بن محمد العبدرى الفاسى المالكى الشهير بابن الحاج، كان فاضلا عارفا يقتدى به، له التآليف النافعة من أجلها هذا الكتاب المسمى «بمدخل الشرع الشريف على المذاهب»، ذكر فيه بدع يفعلها الناس و يتساهلون فيها، و أكثرها مما ينكر و بعضها مما يحتمل، توفى بالقاهرة سنة ٧٣٧ ه.