المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٤٩ - ذكر دوائه- صلى اللّه عليه و سلم- من داء السحر
هذا الحديث و زعموا أنه يحط منصب النبوة، و يشكك فيها، قالوا: و كل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. و زعموا: أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، إذ يحمل على هذا أنه يخيل إليه أنه يرى جبريل و ليس هو ثمّ، و أنه يوحى إليه بشيء و لم يوح إليه بشيء.
قال المازرى: و هذا كله مردود، لأن الدليل قد قام على صدق النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فيما يبلغه عن اللّه تعالى، و على عصمته فى التبليغ، و المعجزات شاهدات بتصديقه، فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. و أما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، و لا كانت الرسالة من أجلها، فهو فى ذلك عرضة لما يعرض لبشر كالأمراض، فغير بعيد أن يخيل إليه فى أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له، مع عصمته عن مثل ذلك فى أمور الدين، انتهى. و قال غيره: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء و لم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، و إنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر و لا يثبت، فلا يبقى على هذا للملحد حجة.
و قال القاضى عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور، أنه يظهر له من نشاطه و من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر عن ذلك، كما هو شأن المعقور، و يكون قوله فى الرواية الأخرى «حتى كاد ينكر بصره» أى كالذى ينكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على غير صفته، فإذا تأمله عرف حقيقته. و يؤيد جميع ما تقدم: أنه لم ينقل عنه فى خبر من الأخبار أنه قال قولا فكان بخلاف ما أخبر به.
قال بعضهم: و قد سلك النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- فى هذه القصة مسلكى التفويض و تعاطى الأسباب، ففى أول الأمر فوض و سلم لأمر ربه، و احتسب الأجر فى صبره على بلائه، ثم لما تمادى ذلك و خشى من تماديه أن يضعفه عن فنون عبادته جنح إلى التداوى. فقد أخرج أبو عبيد من مرسل عبد الرحمن بن أبى ليلى قال: احتجم النبيّ- صلى اللّه عليه و سلم- على رأسه، يعنى حين طب، ثم جنح إلى الدعاء، و كل من المقامين غاية فى الكمال.