المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ٣١ - عقوبة العائن
و ذكر عن أبى عبد اللّه الساجى أنه كان فى بعض أسفاره للحج أو الغزو على ناقة فارهة، فكان فى الرقة رجل عائن قل ما نظر إلى شيء إلا أتلفه، فقيل لأبى عبد اللّه: احفظ ناقتك من العائن، فقال ليس له إلى ناقتى سبيل، فأخبر العائن بقوله، فتحين غيبة أبى عبد اللّه، فجاء إلى رحله فنظر إلى الناقة فاضطربت و سقطت، فجاء أبو عبد اللّه فأخبر أن العائن قد عانها و هى كما ترى. فقال: دلونى عليه، فوقف عليه فقال: بسم اللّه حبس حابس، و حجر يابس، و شهاب قابس، رددت عين العائن عليه، و على أحب الناس إليه، فارجع البصر هل ترى من فطور، ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا و هو حسير. فخرجت حدقتا العائن و قامت الناقة لا بأس بها [١].
انتهى.
و فى حديث هذا الباب من الفوائد: أن العائن إذا عرف يقضى عليه بالاغتسال، و أن الاغتسال من النشرة النافعة، و أن العين تكون مع الإعجاب و لو بغير حسد، و لو من الرجل المحب، و من الرجل الصالح، و أن الذي يعجبه الشيء يبادر إلى الدعاء للذى يعجبه بالبركة، و يكون ذلك رقية منه، و أن الإصابة بالعين قد تقتل.
عقوبة العائن:
و قد اختلف فى جريان القصاص بذلك:
فقال القرطبى: لو أتلف العائن شيئا ضمنه، و لو قتل فعليه القصاص أو الدية إذا تكرر ذلك منه بحيث يصير عادة، و هو فى ذلك كالساحر عند من لا يقتله كفرا. انتهى. و لم تتعرض الشافعية للقصاص فى ذلك، بل منعوه و قالوا: إنه لا يقتل غالبا و لا يعد مهلكا. و قال النووى فى «الروضة»: و لا دية فيه و لا كفارة، لأن الحكم إنما يترتب على منضبط عام، دون ما يختص ببعض الناس و بعض الأحوال مما لا انضباط لها، كيف و لم يقع منه فعل
[١] قلت: و قد ذكر أيضا هذه القصة ابن القيم فى «زاد المعاد» (٤/ ١٧٤) بتحقيقنا، و لم يعقب عليها.