المواهب اللدنية بالمنح المحمدية - أحمد بن محمد القسطلاني - الصفحة ١٢٥ - الفصل الثالث فى إنبائه- صلى اللّه عليه و سلم- بالأنباء المغيبات
من العلوم و المعارف، لا تحيط به العبارات، و لا تدرك حقيقة كنهه الإشارات، و إذا كان هذا ابن سيرين واحد من أمته- صلى اللّه عليه و سلم- نقل عنه فى فن التعبير ما لا يعد لكثرته، فكيف به- صلى اللّه عليه و سلم- و زاده فضلا و شرفا لديه، و أفاض علينا من سحائب علومه و معارفه، و تعطف علينا بعواطفه.
الفصل الثالث فى إنبائه ص بالأنباء المغيبات
اعلم أن الغيب يختص به تعالى، و ما وقع منه على لسان رسوله- صلى اللّه عليه و سلم- و غيره فمن اللّه تعالى، إما بوحى أو إلهام، و الشاهد لهذا قوله تعالى: عالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلى غَيْبِهِ أَحَداً (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضى مِنْ رَسُولٍ [١] ليكون معجزة له. و استدل به على إبطال الكرامات.
و أجيب: بتخصيص الرسول بالملك، و الإظهار بما يكون بغير توسطه، و كرامات الأولياء على المغيبات إنما تكون برؤيا الملائكة، كاطلاعنا على أحوال الآخرة بتوسط الأنبياء، و فى حديث مرّ: أنه- صلى اللّه عليه و سلم- قال: «و اللّه إنى لا أعلم إلا ما علمنى ربى» [٢] فكل ما ورد عنه- صلى اللّه عليه و سلم- من الأنباء المنبئة عن الغيوب ليس هو إلا من إعلام اللّه له به، إعلاما على ثبوت نبوته، و دلائل على صدق رسالته، و قد اشتهر و انتشر أمره- صلى اللّه عليه و سلم- بين أصحابه بالاطلاع على الغيوب، حتى إن كان بعضهم ليقول لصاحبه: اسكت فو اللّه لو لم يكن عندنا من يخبره لأخبرته حجارة البطحاء، و يشهد له قول ابن رواحة:
و فينا رسول اللّه يتلو كتابه * * * إذا انشق معروف من الصبح ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا * * * به موقنات أن ما قال واقع
و قال حسان بن ثابت:
[١] سورة الجن: ٢٦، ٢٧.
[٢] تقدم.