الفقه المعاصر - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٦٥٨ - المسئولية الجنائية للطبيب
٥- لو اصدرت الحكومة الظالمة ان كلّ ارض مملوكة لا تسيّج ستصادر من قبل الدولة، وكانت هناك ارض لمالك مسلم خارج العراق لم يعلم بهذا القرار ولم ياذن بتسييج ارضه افهل يحرم على اصدقائه أو جيرانه تسييج الأرض لانه تصرف في ملك الغير بدون اذنه؟ الجواب ان هذا التصرف ليس بحرام لانه ليس اعتداء والمحرّم هو التصرف الاعتدائي.
أقول: قد يقال أنها (الإرض) ليست ملكه شرعاً وان كانت ملكه قانونياً ان قلنا ان السند القانوني لا يُملّك، وانما يملك بالتحجير والحيازة وعندئذ لا يصح هذا المثال.
نعم يبقى الضمان فهو دائر مدار صدق الاتلاف لا مدار صدق الحرمة المنتفية هنا بالاصل.
ولهذا فقد استثنت كثير من اللوائح الطبيّة الحديثة من ضرورة الحصول على إذن المريض أو وليّه حالات الاسعاف العاجل التي لا يمكن فيها الانتظار لحصول الرضا بدون هلاك المريض.
وما ذاك الاستثناء إلا لكون عدم الاستئذان مع امكان الاستئذان يكون تعديّاً على ارادة وسلطة صاحب الجسم ، اما مع عدم امكان اذنه فلا يكون الاسعاف العاجل المحتاج إليه والنافع له تعدّياً، على ارادته وسلطته لفقدان إرادته وسلطته.
ودليل ما نقول :
١) السيرة العقلائية القائمة على هذه الأعمال التي يتصرف فيها من دون إذن المالك أو إذن صاحب البدن ، وهذه السيرة العقلائية موجودة في زمن صاحب الشرع من دون ردع عنها، كما في البيت الذي يحترق إذا علمنا أن فيه أنفساً حيّة أو أشياء ثمينة جداً يكون الدخول من دون إذن لإطفاء النار مخلّصاً للأنفس الحية أو موجباً لعدم سراية النار إلى الأشياء الثمينة فان هذه الأمور ولو كانت نادرة ولكنها تحدث في زمن المعصوم ولا نهي عن هذا التصرف الذي لا يمكن اخذ الإذن فيه من صاحبه.
وان كان هذا المثال بالذات الذي يكون في البيت وجود الانفس قد يقال فيه بوجود تزاحم بين الواجب والحرام ويقدّم الواجب لاهميته، ولكن بالنسبة لوجود الاشياء الثمينة يكون المثال صحيحاً ولا وجوب لحفظ الاشياء الثمنية التي للغير وليست امانة عندي، وليس هذا التصرف لحفظ المال هو لاضرار صاحب المال بل هو لفائدته فلا يشمله حرمة التصرف في مال الغير اصلاً.
٢) أن هذا التصرف لا يخلو من احد ثلاث صور:
أ) إذا علمنا ان من أغمي عليه ويحتاج إلى إجراء العملية الجراحيّة ولا يمكن أخذ إذنه لا يرضى بإجراء العملية الجراحية له، لتصريحه بذلك في عدّة مناسبات ، بانه لو طرأ عليه ما يوجب موته وهو بحاجة إلى عملية فانه يفضّل الموت ولا يجري العملية الجراحية له. فهنا قد يقال بان هذا الإنسان هو مسلّط على بدنه ولا يجوز لأحد أن يزاحمه في هذه السلطنة، فلا يجوز إجراء العملية له.
ولكن أقول: حتّى في هذه الصورة ، لا يعبأ بعدم رضاه ، لانه يكون بهذا العمل قاتلاً لنفسه ولا يجوز للإنسان أن يقتل نفسه (أي ينتحر) ويجب على الآخرين منعه من هذا العمل.
نعم هذا متصور في الأموال التي يأخذها الظالم منه، فان علمنا بانه لا يرضى أن يأخذ هذا المال من الظالم أي أحد حتّى في صورة أخذه بزعم ردّه على صاحبه بزعم انه إحسان إليه، لانه تصرف في ملك الغير من دون إذنه فهو محرم. نعم لو أخذه بهذه النيّة (فهو حرام) ولكن يجب ردّه إلى صاحبه لقاعدة ضمان اليد.
ب) إذا كان المتصرف في المغمى عليه عالماً برضا المغمى عليه في التصرف ببدنه ، فهنا لا إشكال في جواز التصرف بنيّة العلاج والإحسان ن وهذه الصورة ليست منافية لسلطنة المغمى عليه على جسده ، ولكن العلم يجوّز التصرف.
ج) إذا كان الطبيب المعالج يشكّ في التصرف بهذا الجسم بدون الإذن ، فهنا أيضاً لا شك في الجواز بنية العلاج لكون هذا العمل عدلاً واحساناً ، وإذا تمكن من العلاج ولم يعمل يكون ظلماً وإساءة للمسلم.
٣) قد نقول بوجود أدلة لفظية على جواز هذا التصرف، مثل موثقة أبي بصير بعبد الله بن بكير القائلة: ان حرمة مال المؤمن كحرمة دمه وتمام الرواية هكذا قال رسول الله’: سباب المومن فسوق وقتا له كفر واكل لحمه معصية وحرمة ماله كحرمة دمه. (وسائل: ج١٢، باب١٥٨، ص٢٩٧، وراجع ابواب جهاد النفس باب٧١ - ٧٢، احكام العشرة باب١٣٨).
فاحترام ماله كاحترام دمه، وهذا الاحترام انما يكون سببا لعدم جواز الاعتداء عليه ، اما هنا (في موردنا) فالاحترام يكون بإجراء العملية له والتصرف في ماله والاعتداء عليه يكون بتركها حتّى يموت أو ترك التصرف في ماله حتّى يتلف وهذا هو الذي يحكم به الوجدان وأهل العرف، فلاحظ.
واما الرواية الدالة على الضمان إلا في صورة طيب النفس الذي يعلم بالإذن فقط فهي ضعيفة فقد وردت هذه الرواية بلسان لا يحل دم امريء مسلم ولا ماله إلا بطيب نفسه فما لم يكن طيب مكتشف بالإذن ففيه الضمان ، إلا انها ضعيفة.
وان لم نقبل كلّ ما تقدم فنقول: في صورة إنقاذ حياته من دون إذن يوجد حكم بوجوب الإنقاذ قد توجّه إلى الطبيب ويوجد نهي عن التصرف في بدنه من دون إذن منه أو وليَّه ولا يمكن امتثالهما معاً، فيقع التزاحم بينهما ويقدّم الأهم ، ولا إشكال في أهمية إنقاذ حياته فيجوز أو يجب لقانون التزاحم. اما في غير الإنقاذ فالحرمة في التصرف للتعدّي فقط لمن لا يمكن أخذ إذنه ولم يكن المنع تعبدّياً.