الفقه المعاصر - الجواهري، الشيخ حسن - الصفحة ٥٠٦ - مداواة غير المسلم للمسلم (استطباب غير المسلم)
إذن إذا زال سبب عدم الثقة وافتقاد النصيحة وحلّت الثقة وجاءت النصيحة واطمأن الإنسان بهما جاز استطباب غير المسلم. ولذا نبّهوا على التثبت من الأدوية المركبة لئلا يكون فيها محرم كما صرّحوا بانه لو أشار عليه الطبيب غير المسلم بالفطر في الصوم والصلاة جالساً لا يُرجع إلى قوله وحده لانه خبَر متعلق بالدين فلا يُقبل منه.
الجواب: على رأي الإمامية لا يمنع الإمامية من مداواة غير المسلم للمسلم، بل وردت الروايات التي تجعل هذا الأمر جائزاً.
فقد ورد عن الإمام الباقر× قال: سألته عن الرجل يداويه النصراني واليهودي ويتّخذ له الأدوية؟ فقال×: لا بأس بذلك إنّما الشفاء بيد الله[١].
وعن عبد الرحمن بن الحجاج قال: قلت للإمام موسى بن جعفر×: إنّي احتجت إلى طبيب نصرانيٍّ (اُسلّم عليه وأدعو له) قال: نعم، إنّه لا ينفعه دعاوك[٢].
وواضح في هذه الرواية مفروغية جواز التطبيب عند النصراني ، إنّما كان السؤال عن السلام عليه والدعاء له، وقد أقرّ الإمام× التطبيب، وذكر أن الدعاء لا ينفعه.
وقد حدثت ممارسات عملية لمداواة المسلمين من قبل غيرهم في زمان الرسول’ كما نقل ذلك التاريخ.
على أنّه يكفينا عدم وجود الردع من قبل الشارع المقدّس لهذا التطبيب[٣].
[١] وسائل الشيعة : ج١٧، ب١٣٦ من الأطعمة المباحة: ح٧.
[٢] وسائل الشيعة : ج٨، ب٥٣ من أحكام العشرة: ح١.
[٣] وقد ذكر أهل السنة أدلة على جواز استطباب غير المسلم منها ما ذكره ابن القيم في كتابه بدائع الفوائد ٣: ٢٠٨ قال: في استئجار النبي عبد الله بن اُريقط الديلي، هاديا في وقت الهجرة ، وهو كافر، دليل على جواز الرجوع إلى الكافر في الطب والأدوية والحساب والعيوب ونحوها مالم يكن ولاية تتضمن عدالة ، ولا يلزم من كونه كافراً ألاّ يوثق به في شيء أصلا فانه لا شيء اخطر من الدلالة في الطريق لاسيّما في مثل طريق الهجرة.
أقول: هذا لا يصلح دليلاً على جواز استئجار الكافر مع وجود المسلم، إذ كان عمل النبي’ في صورة الضرورة وعدم وجود من يستأجر من (المسلمين)، فهو دليل على الجواز في صورة الضرورة لا مطلقاً.
نعم توجد روايات في أمر النبي بعض المسلمين أن يراجعوا كفاراً معروفين في الطب فقد ورد في سنن أبي داود وغيره: أن سعد بن أبي وقاص مرض ، فأمره رسول الله’ أن يأتي الحارث بن كلدة فيستوصف في مرضه الذي نزل له ، فاتاه فعالجه فكأنما أنشط من عقال (سنن ابن داود ٢: ٣٣٥) ومعلوم أن الحارث بن كلدة كان طبيب العرب في وقته واصله من ثقيف من أهل الطائف، رحل إلى ارض فارس وأخذ الطب عن أهل تلك الديار وغيرها في الجاهلية ومَهَرَ في هذه المهنة، وأدرك الإسلام ومات في أول الإسلام ولم يصح إسلامه كما ذكر ذلك حافظ أهل المغرب ابن عبد البرّ الأندلسي القرطبي (الاستيعاب في معرفة الأصحاب ١: ٢٨٣).
أقول: توجد سيرة من زمن النبي’ ومَنْ بعده على استطباب غير المسلمين، إذ يذكر التاريخ وكتب التراجم والطبقات من الأطباء النصارى الذين حازوا قصب السبق في بلاط الخلفاء العباسيين (ابن ماسويه) الذي هو طبيب هارون الرشيد ، واشتهرت بالطب في ذلك العهد (أسرة بختيشوع) النصرانية والتي ظهر فيها أطباء عالجوا أبا جعفر المنصور وهارون الرشيد كان له طبيب كافر (نصراني) من أسرة بختيشوع، وقد لزم سنان الصابئي الخليفة القاهر.
وهذه السيرة لم يرد عنها نهي من قبل المعصوم فهي ممضاة وهو الدليل القويّ على جواز استطباب غير المسلم بل ما نقله التاريخ من كشف الطبيب اليهودي على عليّ× عند ضربة ابن ملجم وكشف الطبيب على جنازة الإمام موسى بن جعفر دليل على هذا الامضاء من قبل الإمام الحسن والإمام الرضا‘ نعم: وجدت نواهي كثيرة وشديدة في وجوب مجانبة الكافر (المخالف في الدين) واعتزاله ، إلا أن هذه النواهي لا تشمل المعاملات وإنما تكون في الديانات فقد ورد النهي في اتخاذ الكفار أخلاء يُؤنس بهم في الباطن لأنهم أعداء الله ولا يخالطون اختلاط امتزاج وتعاضد وسكون واطمئنان وان يتخذوا أولياء لانهم اعداء الله.