موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧ - نظرة سريعة لمضمون الكتاب
٨. إنّ التنمية الاقتصاديّة، بالمدارك والمستندات المهمّة الموجودة في هذا الكتاب، مطلوبة ومحبذة وهي مورد اهتمام الإسلام، ولكن مع أي قيمة؟ وبأي كيفية وبأي صورة؟ هل مع هدم اقتصاد الآخرين ونهب ثرواتهم واستعمارهم، وصيرورة قسم كبير من العالم أسيراً بيد قسم صغير منه؟ أو من خلال الحركة في خط التعاون والتكاتف بين البلدان والشعوب المختلفة على أساس
«تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى».
لا شك في أنّ الإسلام يختار الطريق الثاني، ويرى بأنّ الطريق الأوّل مخالف لجميع القيم الأخلاقيّة والمثل الإنسانيّة وهو جريمة كبيرة ووحشية في حقّ الشعوب الأخرى، وخلافاً لما يتصوره البعض فإنّ رعاية القيم الأخلاقيّة، ليس فقط لا يقف أمام التنمية الاقتصاديّة، بل يزيدها عمقاً وإزدهاراً وثباتاً، كما سنرى في معالم هذا الاقتصاد في هذا الكتاب.
٩. إنّ تشييد البناء الثقافي من أجل الوصول إلى اقتصاد مطلوب ومبتني على أصول العدالة والأخلاق، يعتبر من جملة الأمور التي أخذها الإسلام بنظر الاعتبار،: لأنّه من دون إشاعة هذا الجو من الثقافة السليمة فإنّ تحقيق ذلك الهدف الكبير عسير جداً وغير ممكن، وطبعاً سنبيّن هذه الحقيقة في هذا الكتاب مع تقديم الأصول الكليّة الحاكمة على الاقتصاد الإسلامي.
١٠. أحياناً يتصور البعض، من الذين لا يحيطون علماً بحدود وثغور التعاليم الإسلاميّة في مجال المسائل الاقتصاديّة، وبذريعة أنّ الاقتصاد الإسلامي جاء لمجتمع ساذج وبدائي مثل مجتمع صدر الإسلام الذي يقوم على أساس الزراعة والرعي، إنّ مثل هذا الاقتصاد يفقد فاعليته في الاقتصاد الجديد المعتمد في البلدان الصناعيّة المعقدة في العالم المعاصر، وبذلك لا يجدون ميلًا لمطالعة قوانين الإسلام الاقتصاديّة، ويتوجهون نحو المدارس والمذاهب الاقتصاديّة الغربية.
وهذه الجماعة، وهم في الغالب ممن تعلموا في الجامعات الأوربيّة والأمريكيّة وعاشوا الإنبهار بالتقدم الصناعي والغول التكنولوجي لهذه البلدان، فلم يجدوا في أنفسهم رغبة في بذل الجهد لمطالعة آثار علماء الإسلام في مجال المسائل الاقتصاديّة الإسلاميّة، ومقارنتها بالاقتصاد المادي في الغرب وما ترتب عليه من آثار سيئة ونتائج وخيمة.
ومن جهة أخرى فهؤلاء تصوروا أنّ المسائل المستحدثة، التي تقع في قالب عدد كبير من أنواع الشركات والمعاملات الجديدة والمبادلات الاقتصاديّة الحديثة، خارجة عن دائرة الأحكام الاقتصاديّة في الإسلام، وأنّ الفقه الإسلامي لا يملك جواباً على هذه المسائل الجديدة التي لم تكن في عصر نبي الإسلام صلى الله عليه و آله ومن هنا يتهمون الفقه الإسلامي بالقصور عن إيجاد الأجوبة والحلول للمسائل الاقتصاديّة الجديدة.
إنّ بحوث هذا الكتاب تشير إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ هؤلاء يتحركون في خط الوهم والخطأ وأننا نستطيع وعلى أساس الأصول والقواعد المحكمة والمستنبطة من الكتاب والسنّة، وعلى أساس من كون الإسلام ديناً