موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٤ - ١ حرية النشاطات الاقتصاديّة المقترنة مع مقولة التكليف
علي عليه السلام في جواب عامله فيما يتصل بنهر يحتاج إلى تعميق وإزالة الرواسب الطينيّة، قال:
«أمّا بعد فإنّ قوماً من أهل عملك اتَوْنى ... وسألوني الكتاب إليك لتأخذهم وتجمعهم لحفره والإنفاق عليه ولست أرى أن أجبر أحد على عمل يكدحه فأدعهم إليك ... فمن أحبّ أن يعمل فمُرْه بالعمل ...» [١]
، ومن اللافت أنّه هناك تفاوت بين أفراد البشر من حيث تحمل المشاق وعدمه قال:
«وإن النهر لمن عمله دون من كرهه».
وببيان آخر، إنّ الإمام عليه السلام يرى أنّ الاختلاف التكويني بين أفراد البشر يعتبر سبباً لقوام واستمرارية الحياة ويقول:
«... إذ خالف بحكمته بين هممهم وإرادتهم وسائر حالاتهم وجعل ذلك قواماً لمعايش ...
أتقن تدبيره لمخالفته بين هممهم» [٢].
والملفت للنظر أنّ مجلس الخبراء والفقهاء الذين شرّعوا القانون الأساسي للجمهورية الإسلاميّة الإيرانية أكدوا على: «رعاية حرية اختيار العمل وعدم إجبار الأفراد بعمل معين ومنع الاستغلال فيما بين الناس ...» [٣].
«حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً»
، وفي الآية:
«وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً» [٤]
لأنّ كلمة «رغداً» تعني الوفرة والكثرة و «حيث شئتم» يعني في أية مكان تريدون، وهذا يدلّ بوضوح على نوع الرخصة والحرية والسعة في عمليّة الاستهلاك مع الأخذ بنظر الاعتبار جملة «كلوا» وهي كناية عن مطلق التصرف (وطبعاً على أن لا يصل إلى حد الإسراف والتبذير).
وكما ورد في قصّة آدم وزوجته حواء عليهما السلام عندما سكنوا لأوّل مرة في جنّة أو بستان من بساتين الدنيا [٥] إذ تلقوا الخطاب الإلهي:
«وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا» [٦]
رغم أنّهما منعا من بعض الموارد على أساس الاختبار:
«وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ» [٧].
وإطلاق عبارات مثل:
«كُلُوا مِنْ رِّزْقِ رَبِّكُمْ» [٨]
تدلّ أيضاً على هذه الرخصة والسعة في الاختيار، كما أنّ الخطاب الذي يتضمّن نوعاً من العتاب في الآية:
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ» [٩]
، وخطاب
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَاتُحَرِّمُوا
طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ ...» [١٠]
يزيل بدوره بعض القيود غير المعقولة في عمليّة الاستهلاك.
[١]. مستدرك نهج البلاغة، ج ٥، ص ٣٥٩.
[٢]. وسائل الشيعة، ج ١٩، كتاب الإجارة، باب ٢، ص ١٠٣، ح ٣.
[٣]. المادة ٤ من الأصل الثالثة والأربعين من دستور للجمهورية الإسلاميّة الإيرانيّة.
[٤]. سورة البقرة، الآية ٥٨.
[٥]. وعلى هذا الأساس فإنّ المراد من «الجنّه» جنّة من جنان الدنيا، كما ورد في الكافي و العلل و تفسير القمي عن الإمام الصادق عليه السلام: «إنّها كانت من جنان الدنيا يطلع فيها الشمس والقمر» (انظر: الصافي، ج ١، ص ٣٤).
[٦]. سورة البقرة، الآية ٣٥.
[٧]. سورة سبأ، الآية ٣٥.
[٨]. سورة سبأ، الآية ١٥.
[٩]. سورة الأعراف، الآية ٣٢.
[١٠]. سورة المائدة، الآية ٨٧.