موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٨٠ - ٢ عنوان الحسبة
الفقهاء بعنوان «الحسبة» ويسمى المأمور على هذا الشأن ب «المحتسب»، رغم أنّ الحسبة في الحقيقة تعدّ قسماً من الحكومة الإسلاميّة ويتمّ تعيين المحتسب من قِبل الحكومة.
يقول «ابن منظور»: «الحسبة». مصدر احتسابك الأجر على اللَّه: تقول: فعلته حِسبة والحَسَبَ فيه، إحتساباً، الإحتساب، طلب الأجر، وكذلك يقال: إنّ لحسن الحسب في الأمر أي حسن التدبير والنظر فيه، وتأتي أحياناً بمعنى التجسس ويتحسسها ويطلبها يقال:
«فلان يتحسّب الأخبار أي يتجسّسها»
. وكذلك أتي بمعنى الإنكار والعمل القبيح:
«احتسب فلان على فلان أي أنكر عليه قبيح عمله» [١].
وجاء في مجمعالبحرين بعد استعراض معانٍ متعددة لكلمة «حسب»:
«الحِسبة الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر» [٢].
وفي الحقيقة فإنّ هذا المعنى للحسبة يعتبر اصطلاحاً بين الفقهاء، ومن هذه الجهة فإنّ الشهيد الثاني في كتاب الدروس يعبّر عن كتاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ب «كتاب الحسبة».
وعلى أية حال، فالحسبة والتحسب هي ذات المسؤوليّة التي تقع على عاتق الولاة والمسؤولين ووكلائهم فيما يتصل بأمر الرقابة لمنع وقوع المنكرات في المجتمع وكيفية مواجهتها [٣]، ومن جملة وظائف المحتسبين الرقابة على السوق والعمل على منع الإجحاف والتطفيف والغلاء والإحتكار وأمثال ذلك.
يقول ابن خلدون في هذا الصدد: «إمّا الحسبة فهي وظيفة وبنيّة من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض إلى القائم بأمور المسلمين، يعيَّن لذلك من يراه أهلًا له، فيتعيّن فرضه عليه، ويتخذ الأعوان على ذلك، ويبحث عن المنكرات، ويُعزر ويؤدّب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامّة في المدينة، مثل المنع من المضايقة في الطرقات ... والحكم على أهل المباني المتداعية للسقوط يهدمها ...، وليس له إمضاء في الدعاوى مطلقاً، بل فيما يتعلق بالغش والتدليس في المعايش وغيرهما، وفي المكاييل والموازين، وله أيضاً حمل المماطلين على الانصاف، وأمثال ذلك ممّا ليس فيه سماع بيّنة، ولا إنفاذ حكم، وكأنّها أحكام ينزّه القاضي عنها لعمومها وسهولة أغراضها، فتدفع إلى صاحب هذه الوظيفة ليقوم بها» [٤].
إنّ سيرة النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله وكذلك سيرة الإمام علي عليه السلام تبيّن أنّ هذين العظيمين أحياناً يدخلون بأنفسهم إلى السوق ويقومان بتقديم المواعظ والنصائح والتحذيرات للتجّار والكسبة ويعرفوهم بتكاليفهم الشرعيّة والاجتماعيّة، وفي الحقيقة أنّ كلّ واحد منهما يقدم على هذا العمل بوصفه «رئيس الحسبة»، ونستعرض هنا نماذج من ذلك:
[١]. لسان العرب، مادة «حسب».
[٢]. مجمع البحرين، مادة «حسب».
[٣]. المحتسب بهذا المعنى ورد في أشعار الشعراء بصورة كثيرةيقول الحافظ ما معناه: كلّ من رآى عينيه قال
أين «محتسب» كي يسكره
[٤]. تاريخ ابن خلدون، ج ١، ص ٢٢٥- ٢٢٦ (مع تلخيص).