موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٥ - ج) عبادة الثروة
إشارة إلى هذه الحقيقة أنّ البخل يمثّل العامل الأصلي للركود الاقتصادي، ويستتبع ذلك الفقر والمسكنة لجمهور كبير من أفراد المجتمع والطبقة الضعيفة من الذين يعيشون حالات الحرمان في واقع الحياة.
واللافت أنّ القرآن الكريم يحذر من البخل في كونه منشأ التغييرات الرئيسيّة في المؤسسات الاجتماعيّة ويؤدّي إلى ظهور الانتفاضات والثورات:
«هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَّنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَّفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِىُّ وَأَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ» [١].
ب) الحرص
إنّ تأثير هذه الصفة في جمع الأموال وإدّخارها إلى درجة أنّ أميرالمؤمنين عليه السلام اعتبرها العامل الوحيد لتكاثر الثروة وإكتنازها يقول:
«لا يجمع المال إلّا الحرص» [٢].
فالحرص لا يدع الإنسان الحريص يعيش الهدوء والراحة ويدفعه دوماً باتّجاه جمع المال وإدّخاره، وقد ورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّ الإنسان الحريص إذا كان يملك وادٍ مملوء بالثروة فإنّه يسعى ملء وادٍ آخر وثالث وهكذا:
«لو كان لابن آدم واد من مالٍ لابتغى إليه ثانياً ولو كان له واديان لابتغى لهما ثالثاً» [٣].
وقالوا دوماً: إنّ الإنسان الحريص لا يشبع أبداً، ومن هذه الجهة فإنّه يسعى دائماً لجمع المال وإدّخار الثروة، بل إنّه لا ينتفع بها أيضاً، يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام في كلام بليغ آخر:
«الحريص فقير ولو ملك الدنيا بحذافيرها» [٤].
وتقدّم كلام الإمام الرضا عليه السلام
«حِرص غالب»
(أي الحرص المفرط والأكثر من الحدّ العادي بحيث يسيطر على وجود الإنسان وينفذ إلى أعماقه) ويعدّ عاملًا آخر من عوامل تجميع الثروة وإكتنازها:
«لا يجتمع المال إلّابخصالٍ خمس ... وحرصٍ غالب» [٥].
وجاء في حديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله عبارة عجيبة عن هذه الرذيلة الأخلاقيّة، حيث ذكر النّبي صلى الله عليه و آله أنّ الضرر الذي يصيب دين الإنسان من الحرص بمثابة الذئب الجائع الذي يهجم على قطيع الأغنام، نقرأ في هذا الحديث:
«ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرفِ لدينه» [٦].
ج) عبادة الثروة
إنّ الحبّ المفرط للمال والثروة والعشق لزخارف الدنيا وبريقها يعدّ من العوامل الإساسية لتجميع الثروة.
يقول العلّامة الطباطبائي في تفسير الآية:
«وَإِنَّهُ
[١]. سورة محمّد، الآية ٣٨.
[٢]. غرر الحكم، ح ٨٣١٠.
[٣]. كنز العمال، ج ٣، ص ٤٥٩، ح ٧٤٣٢؛ سنن الترمذي، ج ٥، ص ٣٧٠.
[٤]. غرر الحكم، ح ٦٦٣٠.
[٥]. نور الثقلين، ج ٥، ص ٦٦٨؛ عيون الأخبار، ج ١، باب ٢٨، ح ١٣.
[٦]. كنز العمال، ج ٣، ص ٤٦٠، ح ٧٤٣٦؛ مسند أحمد، ج ٣، ص ٤٥٦.