موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨١ - ٣ الفقر بسبب الاستقامة في طريق الحق
ويتجنبون إتلاف الوقت وتضييعه في طلب الأهواء الرخيصة، ولذلك إزدهر اقتصادهم وعاشوا التطور والحركية والنشاط في جميع المجالات.
وإحدى المخططات والبرامج الاستعماريّة في بلدان العالم الثالث ولغرض إبقائهم على تخلفهم هي أنّهم يسوقونهم نحو الحياة المرفهة والحياة الاستهلاكية، وليكونوا مستهلكين أكثر ممّا هم منتجين، وللأسف أنّهم نجحوا نسبياً في هذا المجال.
ممّا تقدّم بيانه يمكن الخروج بهذه النتيجة، وهي أنّ الفقر والحاجة للآخرين في نظر الإسلام يعدّ منافياً للقيم، والغنى وعدم الحاجة المقترنة بالعزّة والشرف والاستقلال تحظى بقيمة عالية.
ومع الالتفات إلى القرائن والشواهد الموجودة في الآيات والروايات، فإنّ الفقر الممدوح يمكن تفسيره بأحد المعاني التالية:
١. الفقر إلى اللَّه
كما ورد في روايات مثل رواية:
«الفقر فخري»
- فيما لو صح سند هذه الرواية عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله [١]- فيمكن أن يكون من هذا القسم، فما يكون مصدراً للفخر والمباهات هو الفقر إلى اللَّه تعالى، لأنّ جميع العالم محتاج إليه واللَّه هو الغني المطلق:
«يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِىُّ الْحَمِيدُ» [٢]
، ويشبه هذا المعنى ما ورد في حديث أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«إلهي كفى بي عزّاً أن أكون لك عبداً، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّاً» [٣]
، إنّ الحاجة إلى الباري تعالى وحالة العبودية والخضوع له يعدّ أعلى وسام وأسمى مراتب الافتخار، وفيه لا يمدّ الإنسان يده للآخرين بل يحصر طلبه وحاجته إلى باللَّه تعالى ويعرض عليه حاجاته ويرى نفسه دوماً وأبداً وعلى كلّ حال فقيراً ومحتاجاً إليه.
٢. الفقر بمعنى البساطة في المعيشة
وبعض الروايات التي تمدح الفقر ناظرة إلى بساطة العيش والحياة بعيداً عن التجملات وأشكال الترف والبذخ، وهو ما ورد التعبير عنه بالزهد، وهذا المعنى يقع في مقابل الثروة التي تقود الإنسان للغرور والغفلة عن واقع الحياة، وورد في بعض الروايات التعبير عنه ب «سكر المال» إلى جانب سكر الخمر والقدرة [٤].
٣. الفقر بسبب الاستقامة في طريق الحق
وقسم من هذه الروايات في مدح الفقر، تشير إلى الفقر المفروض على الإنسان من قِبل الأعداء بسبب
[١]. وسبب الترديد في سند هذه الرواية أنّ اللَّه تعالى ذكر من جملةمننه على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله هو: «وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى» (سورة الضحى، الآية ٨). وصرّح في بعض كتب أهل السنّة أنّ هذه الرواية لا أصل لها في جوامع الروائية، وذهب البعض الآخر إلى أنّها رواية موضوعة. (انظر: تذكرة الموضوعات الفتني، ص ١٧٨؛ تحفة الأحوذي المباركفوري، ج ٧، ص ١٧).
[٢]. سورة فاطر، الآية ١٥.
[٣]. الخصال للشيخ الصدوق، ج ٢، ص ٤٢٠، ح ١٤.
[٤]. قال على عليه السلام: «السُّكر أربع سكرات: سكر الشراب، وسكر المال، وسكر النوم وسكر الملك». (بحار الأنوار، ج ٧٣، ص ١٤٢).