موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٦ - ١١ نفي الجبر والتفويض
الإدارية في البلد.
وهذا بذاته يعتبر خير شاهد على عدم وجود الظلم في عالم الخلقة، لأنّ: «إذا كان جميع الأفراد في المجتمع الإسلامي متساوين ومتشابهين في المواهب والقابليات كالقماش أو الأواني التي تخرج من مصنعٍ واحدٍ، كان المجتمع الإنساني- حينئذٍ- مجتمعاً ميّتاً ساكناً جامداً عارياً عن التحرّك والتكامل، انظروا إلى نبتة الورد، فهناك جذور قويّة متينة، وسوق رقيقة، ولكنّها متينة نوعاً مّا، وفروع ألطف، ثمّ أوراق وأوراد بعضها ألطف من بعض، وهذه المجموعة المتنوعة في تراكيبها والمختلفة في متانتها ولطافتها تشكّل نبتة وردة جميلة تختلف فيها الخلايا بحسب اختلافها في وظائفها، وتختلف فيها القابليات والاستعدادات بحسب اختلافها ووظائفها» [١].
١١. نفي الجبر والتفويض
إنّ الناشط الاقتصادي يجب أن يعلم أنّه غير مجبور لعوامل الإنتاج، بل هو الباني والصانع للتاريخ، وما لم يتحرك على مستوى إصلاح معيشته فإنّ حالته الاقتصاديّة لا يتيسر إصلاحها:
«إِنَّ اللَّهَ لَايُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ» [٢]
، كما أنّه ليس مجبوراً على التبعية والطاعة لميوله النفسانية وغرائزه البدنية بل يستطيع أن يتحرك في حياته من موقع ضبط شهواته على أساس العقل والعدالة.
ولكن يجب أن يعلم في ذات الوقت أنّ الرزق والمعيشة مقسوم ومقرر وليس بمقدوره أن يحصل على كلّ شيء وبأي مقدار يريد ولا يوجد عامل آخر سوى إرادته وسعيه في مقام العمل.
والدليل على هذا المعنى هو ما نشاهد بالعيان أنّه لا يستطيع أي شخص أن يحقق جميع آماله وتمنياته ويصل إلى كلّ ما يبغي ويسعى، في حين لو كانت إرادة الإنسان وسعيه واختياره مؤثرة مائة بالمئة وعلّة تامة فإنّه لا يبقى فقير ولا يمكن مشاهدة كلّ هذه الفوارق والاختلافات بين البشر، فهذه الفوارق تعتبر دليلًا على أنّ الرزق مقسوم وأنّه ثمة عامل آخر يتدخل في هذا الشأن يدعى بالمشيئة الإلهيّة، يعني أنّ إرادة الإنسان وسعيه وعمله ليست علّة تامة للتوصل إلى الرزق المطلوب، بل هنا أسباب أخرى خارجة عن اختيار الإنسان وإرادته، وهي منحصرة بيد القدرة الإلهيّة، وعلى هذا الأساس ورد في الآية الشريفة هذا المبنى المذكور آنفاً بأنّ اللَّه هو الذي قسّم بين الناس معيشتهم:
«نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا» [٣].
وهكذا بالنسبة للجاه والمكانة الاجتماعيّة أيضاً، يعني أنّها أمر مقسوم، لأنّه على حدّ تعبير المرحوم العلّامة الطباطبائي رحمه الله في تفسير الميزان، «أمّا الجاه فهو أيضاً مقسوم من عند اللَّه فإنّه يتوقف على صفات خاصّة بها وترتفع درجات الإنسان في المجتمع فيتمكن من تسخير من هو دونه كالفطنة والدعاء الشجاعة، وعلوّ الهمة وإحكام العزيمة وكثرة المال
[١]. انظر التفسير الأمثل، ج ٤، ذيل الآية ١٦٥ من سورة الأنعام.
[٢]. سورة الرعد، الآية ١١.
[٣]. سورة الزخرف، الآية ٣٢.