موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٥ - ٣ العزلة الاجتماعيّة
السلبية للفقر قلّة الحياء (وهذا المعنى ورد في حديث عن أميرالمؤمنين عليه السلام حيث يذكر أربع آثار سلبية للفقر كما تقدّم) [١].
ودليل هذا الأمر واضح، لأنّ عندما يعيش الإنسان ضغوطاً قوية في حياته، أحياناً يجد نفسه مضطراً للسؤال والطلب من الآخرين، وهذا الأمر تدريجيّاً يقلل من حيائه، ولذلك ورد في الروايات الإسلاميّة أنّ السؤال والطلب من الآخرين، إلّافي موارد ضرورية جدّاً، ممنوع ومذموم [٢]، وقد وردت التوصية للأشخاص المتمكنين مالياً أن يساعدوا الأفراد المحتاجين قبل أن يسألوهم.
يقول الإمام الحسن المجتبى عليه السلام:
«الإعطاء قبل السّؤال من أكبر السّؤدَد» [٣].
٢. التشويش والاضطراب
ومعلوم أنّ الفقر يوجب ضعف قوة التفكّر والتعقّل ويتسبب بحالة التشويش والاضطراب الفكري في الإنسان، وبما أنّ الفقير يفتقد لإمكانات الحياة والمعيشة، فإنّه ورد تشبيه الفقر بالموت [٤]، وعلى ضوء ذلك فإنّ الفقر يقف أمام نمو فكر الإنسان وعقله ويعيق بروز وتفتح القابليات الذهنية والنفسانية، يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام لابنه الإمام الحسن عليه السلام: «يابني من ابتلي بالفقر، ابتلي بأربع خصال ...:
النقصان في عقله» [٥].
وفي لقاء الإمام الصادق عليه السلام لجماعة من الصوفية تحدّث لهم الإمام عليه السلام كثيراً عن هذه الظاهرة، فكانوا جماعة من المتظاهرين بالزهد ويدعون الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه ... فقال الإمام عليه السلام لهم:
«أما علمتم يا جهلة أنّ النّفس قد تلتأث على صاحبها إذا لم يكن لها من العيش ما يُعتمد عليه، فإذا هي أحرزت معيشتها إطمأنَّتْ» [٦].
٣. العزلة الاجتماعيّة
إنّ ألم الفقر الاقتصادي من جهة، وما يعيشه الفقير من مهانة في أنظار الناس من جهة أخرى، تجعله يعيش محنة قاسية لعلها أشدّ وطأة وألماً من الفقر ذاته، وهو ما يتسبب له من حالة العزلة الاجتماعيّة والانزواء عن أنظار الآخرين، ونعلم أنّ العزلة الاجتماعيّة لها آثار وخيمة وتداعيات سلبية على مستوى الفرد والمجتمع.
والشاهد على هذا المدعى قول الإمام علي عليه السلام في حديث معروف
«المقلّ غريب في بلدته» [٧].
وفي حديث آخر نقرأ عن هذا الإمام عليه السلام قوله:
«لو كان الفقير صادقاً يسمّونه كاذباً ولو كان زاهداً يسمّونه جاهلًا» [٨].
[١]. المصدر السابق، ص ٤٨.
[٢]. انظر: الكافي، ج ٤، ص ٢٠، باب كراهية المسألة.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٥، ص ١١٣.
[٤]. قال الإمام علي عليه السلام: «الفقر الموت الأكبر» (نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ١٦٣).
[٥]. بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٤٨.
[٦]. الكافي، ج ٥، ص ٦٨.
[٧]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٣.
[٨]. بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ٤٧.