موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٠ - هل أنّ الفقر افتخار؟
٤. يقول أميرالمؤمنين في وصيته لابنه:
«يا بنيّ إنّي أخاف عليك الفقر، فاستعذ باللَّه منه فإنّ الفقر منقصةٌ للدّين مدهشةٌ للعقل داعيةٌ للمقت» [١].
٥. وجاء في سنن النسائي أيضاً عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله في دعائه العميق المعنى:
«أللّهم إنّي أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر» [٢]
، في هذا الحديث جعل الكفر والفقر وعذاب القبر في عرض واحد.
إنّ مواجهة ومكافحة الإسلام الشديدة للفقر، كما ورد في هذه الروايات (الطائفة الثانية) لا يعني إيجاد العلاقة والمودة مع الأثرياء، إنّ مدرسة الإسلام كما أنّها تكافح الفقر، فإنّها تتصدى كذلك للثروة أيضاً:
«بمعنى الهدف والغاية» ولكنها تنظر إلى الثروة (باعتبارها وسيلة) بنظر الاحترام، والثروة الحاصلة من الكد والتعب لا من تعب الآخرين، والثروة التي يحصلها الإنسان من الاقتصاد السليم ويجعلها في خدمة المجتمع من جهة الإنتاج والتوزيع والخدمات الأخرى، هي محترمة.
ونعلم أنّ قسماً مهماً من الأبواب الفقهية يتحدّث عن التدبير وتوسعة الأمور الدنيويّة، من قبيل أبواب التجارة، المعاملات، الرهن، الإجارة، القرض، المزارعة والمساقات، والشريعة الإسلاميّة ذكرت أحكاماً كثيرة في الفقه تتحدّث عن الملكيّة والثروة، أعم من الأسباب في تبديل المباحات الأصليّة إلى ثروة شخصية من قبيل الحياكة أو العمل على المواد الخام قليلة القيمة كالزراعة التي يبذر فيها الزارع البذر القليل القيمة ويبدله إلى ثروة طائلة، أو الأسباب والعوامل التي تؤدّي إلى مبادلة الثروة مثل البيع والتجارة، هذه كلّها تحكي عن اهتمام الإسلام بالملكيّة الفرديّة وغنى المجتمع الإسلامي.
أمّا ما قيل أنّ المجتمع الإسلامي يجب أن يكون مجتمعاً ثرياً ومقتدراً من الناحية الاقتصاديّة لكيما يقف في مقابل المجتمعات الأخرى مرفوع الرأس ويحفظ للمسلمين عزّتهم وكرامتهم، فهو ما يستفاد من الآيات القرآنية وأحاديث النّبي صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام ومن مذاق الشارع، فالقرآن الكريم يقول:
«وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِّنْ قُوَّةٍ» [٣]
، وهذا يقتضي أن يكون المسلمون مستعدين من كلّ جهة في مقابل المشركين، وبالتالي فالمسلمون من الناحية الماليّة أيضاً لابدّ أن يكونوا أعزّ من غيرهم:
«وَللَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ» [٤]
، والفقر وأشكال الضعف والخلل الاقتصادي ليس فقط يعرّض عزّة وكرامة الإنسان إلى الاهتزاز والوهن، بل يستوجب أحياناً التكدي والتسول والفحشاء والانظواء تحت خيمة المستعمرين والمستكبرين، وهذا ما يتنافى مع العزّة والكرامة التي يريدها اللَّه تعالى للمؤمنين.
وفي روايات آخر تتحدّث عن آخر الزمان، والمجتمع الإسلامي في عصر ظهور الإمام المهدي عليه السلام، والذي يعتبر نموذجاً للجميع المجتمعات البشريّة، إنّ ذلك المجتمع وصف بأنّه يملك الكثير من الثروات والخيرات، وعلى هذا الأساس فلو كان الفقر مقبولًا فإنّ مجتمع عصر ظهور الإمام المهدي عليه السلام يجب أن يكون فقيراً ومعدماً ليكون قدوة للمجتمعات البشريّة، لا ذلك العصر الذي تنزل فيه السماء بركاتها وتفتح الأرض ذخائرها [٥]، وتزداد أموال الزكاة وتتراكم إلى درجة أنّه لا يوجد فقير ومستحق لأخذها [٦].
ويمكن أن تكون الروايات التي تمدح الفقر ترتبط بنفي ورفض طلب الدنيا والتجمل فيها، والنّبي الأكرم صلى الله عليه و آله والأئمّة عليهم السلام عاشوا حياة بسيطة وأرادوا من الناس أن يعيشون هذه الحياة بعيداً عن أشكال التكلّف والتجمل وإشاعة هذه الثقافة بين المسلمين، وأساساً فإنّ هدف النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله هو أن يعتاد الناس على العمل والسعي ويتكاملوا من جهة القيم الإنسانيّة والأخلاقيّة، ولكن لا يعتادوا على سكنى القصور وتجميع الثروات:
«العاقل يطلب الكمال والجاهل يطلب المال» [٧].
ولا توجد دولة بالعالم وصلت إلى مراتب متقدمة من التطور والتقدم من خلال التجمل والبذخ وحب المال، إنّ الشعوب كشعب الصين و اليابان هي شعوب تعيش القناعة والسعي والعمل الدؤوب، فلا تجد حالات التفريح والأعمال العبثية بينها إلّاقليلًا،
[١]. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الكلمة ٣١٩.
[٢]. سنن النسائي، ج ٣، ص ٧٤.
[٣]. سورة الأنفال، الآية ٦٠.
[٤]. سورة المنافقون، الآية ٨.
[٥]. انظر: بحار الأنوار، ج ٥١، ص ٩٧؛ مستدرك الحاكم، ج ٤، ص ٥٥٨.
[٦]. بحار الأنوار، ج ٥٢، ص ٣٣٩.
[٧]. ميزان الحكمة، ج ٣، ص ٢٠٤٣.