موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٤ - أ) صفة البخل
١. العوامل والأسباب
بما أنّ أعمال الإنسان تمثّل انعكاساً لصفاته وخصوصياته الأخلاقيّة، وما لم نتعرّف على جذور هذه الأعمال وعلاجها فلا يمكن تغيير هذه الأعمال إلّا بآليات العنف، ونعلم أنّ استخدام طريق القوّة والعنف لغرض حلّ المشاكل الاجتماعيّة ذو أثر محدود وقليل، وما لم يتمّ تصحيح الثقافة السائدة في جوّ المجتمع وفي الذهنيّة العامّة فإنّ المشكلة ستبقى بدون حلّ أساسي، ومن هذه الجهة لابدّ في البداية من الكلام في بحث التكاثر وجمع الثروات من التوجه إلى جذور هذه الحالة.
أ) صفة البخل
بديهي أنّ «جمع الثروة» يرتبط بشكل وثيق مع صفة البخل الرذيلة، فالشخص الذي يعيش هذه الصفة الذميمة، فمهما كان ثرياً من الجهة الاقتصاديّة، ولكنّه يعيش بدون إرادة عيش الفقراء، وقد ورد في حديث عن النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«سيكون بعدكم قوم لا يستقيم لهم ... الغنى إلّابالعجز والبُخل» [١].
وعلى هذا الأساس وكما قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: إنّ الشخص الذي يدفع زكاة ماله فإنّه يعيش بعيداً عن البخل:
«برىءٌ من الشُّحَّ من أدّى الزكاة» [٢].
ونقرأ في حديث عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام أنّه قال:
«عجبتُ للبخيلِ يستعجِلُ الفَقْرَ الذي منه هربَ ويفوته الغني الذي إيّاه طلب» [٣].
ومثل هذا الشخص الذي يعيش القلق وفقدان الراحة، لا يفكر إلّابجمع الأموال وإدّخارها وبهذه الطريقة يتمكن من جمع ثروات كثيرة لنفسه.
قال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله:
«لا يبقى المالُ إلّالِبَخيلِ» [٤].
ونقرأ في حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام أنّه قال:
«لا يَجْتمعُ المالُ إلّابخصالٍ خمس:
ببخلٍ شديدٍ ...» [٥].
والشخص المبتلى بالبخل فإن يمثّل في الواقع خازن للأموال حيث يعمل على جمع الأموال وخزنها في مكان معين وفي النهاية وبدون أن يستفيد منها يتركها بموته للورثة.
يقول أميرالمؤمنين علي عليه السلام:
«البخيلُ خازنٌ لوارثِهِ» [٦].
ومعلوم أنّ جمع الأموال في خزانة يعني إخراجها من عجلة الإنتاج، وهذا العمل يستتبع الركود الاقتصادي في المجتمع، كما قال الإمام أميرالمؤمنين علي عليه السلام في حديث عميق المغزى:
«آفة الاقتصاد البخل» [٧].
ولعل هذا الكلام مقتبس من كلمات النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله الذي قال:
«أىّ داءٍ أدوأ من البخل؟» [٨]
، في
[١]. كنز العمال، ج ٣، ص ٢٠٩، ح ٦١٩٥.
[٢]. كنز العمّال، ج ٤، ص ٤٤٩، ح ٧٣٩٣.
[٣]. نهج البلاغة، الحكمة ١٢٦؛ بحار الأنوار، ج ٦٩، ص ١٩٩، ح ٢٨.
[٤]. غرر الحكم، ح ٨٣١١.
[٥]. عيون أخبار الرضا، ج ١، باب ٢٨، ح ١٣؛ الخصال، للصدوق، ص ٢٨٢.
[٦]. عيون الحكم والمواعظ، ص ٢٦؛ غرر الحكم، ح ٦٥١١.
[٧]. غرر الحكم، ح ٦٥١٩؛ ميزان الحكمة، ج ١، ص ٨٥.
[٨]. كنز العمال، ج ٣، ص ٤٤٩، ح ٧٣٨٩.