موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٩ - مقدّمة
الأساس الثقافي للاقتصاد الإسلامي
مقدّمة:
ثمّة علاقة وثيقة جدّاً في الإسلام بين الصلاة والزكاة من جهة، والمسجد والاقتصاد وصلاة الجمعة والسوق (المركز الاقتصادي للجتمع في عصرنا الحالي) من جهة أخرى، بحيث إنّ أكثر الآيات القرآنية تقرن الزكاة:
«اتُوا الزَّكَاةَ»
إلى جانب
«أَقِيمُوا الصَّلَاةَ» [١]
، ونقرأ في سورة الجمعة أنّ القرآن الكريم يطلب من التجّار والكسبة أن يتركوا معاملاتهم لمدّة ساعة ويتوجهوا لصلاة الجمعة، ونرى من خلال تأثير القرآن الكريم وتعاليم النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله والإمام علي عليه السلام كيف أنّ مساجد صلاة الجمعة التصقت بسوق بحيث إنّ مساجد الجمعة في جميع المدن الإسلاميّة بمثابة قلب المدينة والسوق بمثابة العمود الفقري لها، فالمسجد من جهة يقوم بتأمين التجّار والكسبة في حالات الافلاس بدفع الزكوات لهم بوصفهم «والغارمين» ومن جهة أخرى فالمسجد يقوم بدور الحسبة ومراقبة التجّار الكسبة ويعمل على حلّ الاختلافات فيما يتصل بالجهة القضائيّة بينهم، ويقوم إمام المسلمين وزعيمهم كالإمام علي عليه السلام بالطواف كلّ يوم على التجّار والكسبة في السوق قبل القيام بحلّ مشاكل البلد الإسلامي الكبير [٢].
أضف إلى ذلك فإنّ المسجد الجامع وسائر المساجد تقوم إلى جانب السوق بوضع برامج الموعظة والتعليم والخطابة في صلاة الجمعة لغرض رفع المستوى الثقافي للأهل السوق واطلاعهم على المسائل الحقوقيّة والسياسيّة والاقتصاديّة.
إنّ صفوف صلاة الجمعة والجماعة تضمّ في صفوفها الغني والفقير، المعطي للزكاة والمستلم لها، وتجمع الأموال فيما يتصل بالنذورات والكفّارات والصدقات وزكاة الفطرة وتدفعها إلى المستحقين، وبالنتيجة تتبدل روح العداوة والخصومة والحسد وعدم الثقة إلى أجواء الاعتماد المتقابل والصفاء والتعاون والإيثار، وفي الحقيقة أنّ هذا العمل من شأنه أن يرتفع بواقع الناس من التجارة الدنيويّة إلى التجارة الاخرويّة.
ونرى في الغالب أنّ الأسواق الإسلاميّة تقع على مقربة من المدارس الدينيّة، وأنّ التجّار والكسبة يخصصون بعض أوقاتهم لتعلّم آيات القرآن والمسائل الفقهيّة وخاصة فيما يتصل بالتجارة الإسلاميّة.
إنّ الإسواق الإسلاميّة نظمت بشكل تكون فيها المساجد والجوامع معبراً ومدخلًا إليها، لعل أهل السوق بهذه الحالة يدخلون السوق وهم يذكرون اللَّه تعالى ويشتغلون بالتجارة والكسب أثناء النهار وعند
[١]. سورة البقرة، الآية ٤٣.
[٢]. انظر: الكافي، ج ٥، ص ١٥١، ح ٣.