موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٥ - ب) أهمية العمل والسعي في الإسلام
روى ابن عباس: كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إذا نظر إلى رجل فأعجبه، قال:
«هل له حرفة؟»
فإن قالوا: لا، قال:
«سقط من عيني» [١].
ويقول الإمام الكاظم عليه السلام:
«إنّ اللَّه لَيُبغض العبدَ الفارغَ» [٢].
ويقول الإمام الباقر عليه السلام:
«إنّي لَأبْغضُ الرّجل أن يكون كَسْلاناً عن أمر دُنياه، ومن كَسِل عن أمر دُنياه فهو عن أمر آخرته أكسلُ» [٣].
ويقول أميرالمؤمنين عليه السلام:
«مَنْ وجد ماءً وَتراباً ثمّ افتقر فابْعَدَهُ اللّه» [٤]
، وذلك بسبب تقصيره في الاستفادة الصحيحة من هذه النعم الإلهيّة.
والنتيجة أنّ الزاهد المسلم مع وعيه لهذه التحذيرات ورفض الإسلام للكسل والبطالة، لا يستطيع بذريعة الزهد في الدنيا أن يترك العمل والسعي ويختار طلب الراحة والكسل في أمور المعيشة.
ب) أهمية العمل والسعي في الإسلام
وقد ورد عن نبي الإسلام صلى الله عليه و آله قوله:
«طَلبُ الحَلال فَريضةٌ عَلى كُلّ مُسْلم وَمُسْلمة» [٥]
، وجاء في حديث آخر:
«العِبادَةُ عشرةُ أجزاء؛ تِسعة أجزاء في طلب الحلال» [٦].
وفي حديث ثالث عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أيضاً أنّه جعل السعي لكسب الحلال رديفاً للجهاد في سبيل اللَّه:
«الكادُّ عَلى عياله كالمجاهد في سبيلِ اللَّه» [٧]
؛ وقال صلى الله عليه و آله أيضاً:
«مَن أكل مِنْ كَدِّ يده كان يوم الْقيامة في عِداد الأنبياءِ وَيَأخذ ثواب الأنبياء» [٨].
ونقرأ في حديث آخر أن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله عندما عاد من غزوة تبوك جاء إليه سعد الأنصاري (وهو غير سعد بن معاذ المعروف الذي استشهد في معركة الخندق) فرآى النّبي يده خشنة من شدة العمل، فقال له
«ما هذا الذي آرى بيدك؟ قال: من أثر المرَّ والمسحاة أضرب وأنفق على عيالي، فقبَّل صلى الله عليه و آله يده وقال: «تلك يدٌ لا تَمَسُّها النّارُ» [٩].
وبالالتفات إلى ما تقدّم من أحاديث صريحة في هذا الشأن يتبيّن أنّ العبادة لا تنحصر بالأعمال العباديّة المعروفة حتى يحصر الزاهد همّه في ممارستها لنيل الثواب الإلهي، ويترك السعي والعمل جانباً، فالعمل والكسب لحفظ ماء الوجه والكرامة وتأمين حاجات الاسرة ولغرض حفظ عزّة المسلمين وكرامة المجتمع الإسلامي له أجر عظيم عند اللَّه تعالى، بل وفقاً للروايات المذكورة أعلاه فإنّ الثواب المترتب على العمل والكسب أكثر من سائر العبادات العاديّة، لأنّ المجتمع الذي يعيش العزّة والرفعة، والامّة التي تتحرك على مستوى التقدّم والإزدهار والنشاط، فإنّها
[١]. انظر: بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٩، ح ٣٨.
[٢]. وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٣٧، ح ٤.
[٣]. الكافي، ج ٥، ص ٨٥، ح ٤.
[٤]. بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ٦٥، ح ١٠.
[٥]. المصدر السابق، ص ٩، ح ٣٥. ورد هذا الحديث في مجمعالزوائد الهيثمي (ج ١٠، ص ٢٩١) بهذه الصورة: «طلب الحلال واجب على كلّ مسلم».
[٦]. المصدر السابق، ح ٣٧.
[٧]. مستدرك، ج ١٣، ص ٥٥، ح ٥.
[٨]. بحار الأنوار، ج ١٠٠، ص ١٠، ح ٤٢.
[٩]. الاصابة، ج ٣، ص ٧٢؛ انظر: اسد الغابه، ج ٢، ص ٢٦٩.