موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٤٠ - ٦ عمران وإحياء الأرض
ومؤثرة في هذا المجال وبذلك تأخذ بيد الأشخاص الذين لا يستطيعون العمل ويعيشون الفقر والفاقة ودون المستوى العام في المجتمع وتحفظ لهم بذلك حيثيتهم وشخصيتهم الاجتماعيّة وكرامتهم الإنسانيّة.
يقول أبوبصير: قلت لأبى عبداللَّه (الإمام الصادق عليه السلام): إنّ شيخاً من أصحابنا يقال له عمر، سأل عيسى بن أعين- وهو محتاج- فقال له عيسى: أمّا أن عندي من الزكاة ولكن لا أعطيك منها، فقال له: ولم؟
قال: لأنّي رأيتك اشتريت لحماً وتمراً فقال: إنّما ربحتُ درهماً فاشتريت بدانقين لحماً وبدانقين تمراً ورجعتُ بدانقين لحاجة. قال (أبوبصير): فوضع ابوعبداللَّه عليه السلام: يده على جبهته ساعة ثمّ رفع رأسه ثمّ قال:
«إن اللَّه تبارك وتعالى نظر في أموال الأغنياء ثمّ نظر في الفقراء فجعل في أموال الأغنياء مايكتفون به ولو لم يكفهم لزادهم بل يعطيه ما يأكل ويشرب ويكسى ويتزوّج ويتصدّق ويحجّ» [١].
والانصاف أنّ مثل هذه الشريعة وبمثل هذه الكرامة وسعة الصدر من شأنها أن تكون شريعة خالدة وتنطبق على كلّ زمان ومكان ولكافة مناحي الحياة الفردية والاجتماعيّة.
٦. عمران وإحياء الأرض
(جميع العالم)
إنّ مسألة العمران والإحياء، سواءً بإضافة البلد إليها يعني «عمارة البلاد»، أو بإضافة الأرض إليها يعني عمارة الأرض، وقعت مورد عناية التعاليم الدينيّة، ولا شك أنّه في ذات الوقت الذي تكون فيه من أهداف النظام الاقتصادي في الإسلام، فإنّها تعدّ أحد الأصول التطبيقيّة في النظام الاقتصادي للوصول إلى هدف الرشد الاقتصادي والأهداف الأخرى مثل إزالة الفقر وتحقيق الرفاه العام والعزّة الوطنية والاستقلال الاقتصادي أيضاً
لأنّه مع إعمار وإحياء منطقة معينة وبلد معين والقيام بإنشاء مشاريع تنموية من قبيل إيجاد شبكة النقل وبناء وتشييد الطرق والجسور وتوفير الطاقة المناسبة للمصانع والمعامل، بناء السدود، توفير الأسواق، والمعارض الدولية وتهيئة الفضاء المناسب للمعاملات التجاريّة وعرض الخدمات الفنيّة، فإنّه يساهم من جهة في تقوية وترشيد الاقتصاد وزيادة العوائد الماليّة للكسبة والتجّار وجميع النشطاء الاقتصاديين، وهذه تعد من جملة أهداف النظام الاقتصادي، وبتبع ذلك تتوفر الأرضيّة المناسبة لزيادة العوائد الماليّة للحكومة، وهذا أيضاً يعدّ من الأهداف الاقتصاديّة المهمّة في دائرة النظام الاقتصادي.
ومن جهة أخرى فمن المعلوم أنّ الإسلام يهدف إلى تنمية وترشيد الاقتصاد لغرض إعمار وإحياء الأرض أكثر، يعني توفير الأرضية للتنمية الزراعيّة والصناعيّة والتجاريّة لكلّ ما يؤمن الرفاه في واقع الحياة الدنيويّة (من قبيل المال، الكهرباء، البيئة)، ليتسنى من هذا الطريق تحقيق هذه الأهداف والوصول إلى أهداف ماديّة ومعنويّة أخرى، وبهذا البيان فإنّ عمليّة العمران في ذات كونها من الأهداف
[١]. الكافي، ج ٣، ص ٥٥٦، ح ٢.