موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٨٧ - النتيجة
بدوره يؤثر في ضعف البنية البدنية والقدرة الجسمانية، يقول الإمام علي عليه السلام:
«الهمّ يذيب الجسد» [١].
٥. الفقر والتبعية الاقتصاديّة
ومن الآثار الخطيرة للفقر، سواء بشكل فردي أو في دائرة المجتمع، التبعية الاقتصاديّة وما يستتبع ذلك من التبعية السياسيّة والثقافيّة، لأنّ الأشخاص الذين يعيشون حالات الفقر والعوز وكذلك المجتمعات الفقيرة تجد نفسها مضطرة لمدّ اليد للآخرين لنيل المساعدات الاقتصاديّة والماليّة، وبديهي أنّ غالبية الأثرياء وخاصّة الدول الثريّة في عالمنا المعاصر، لا تتحرك في مجال الإعانة الاقتصاديّة للدول الفقيرة بدون قيد وشرط، سواء كانت هذه القيود صريحة ومعلنة أو بصورة مستترة وخفية، أو بتلفيق من هذه وهذه.
وهذه القيود والشروط تدور عمدة حول هذه المحاور، وهي أولًا: إنّ هذه الدول الفقيرة تتحوّل إلى سوق للاستهلاك ويتمّ استلاب ثروتهم وإمكاناتهم من هذا الطريق. ثانياً: في المسائل السياسيّة يتمّ الاستغلالها والاستفادة منها أيضاً، ثالثاً: تسعى الدول الثريّة من أجل كسر شوكة المقاومة في الدول الفقيرة أن تكسر ثقافتها وتقييد أيديها وأرجلها بحيث لا تملك بعدها أي قدرة أو جرأة على المخالفة.
ومثل هذا الفرد أو هذا المجتمع سيبتلي بمصير مؤلم جدّاً، بحيث إنّ حياتهم تتحرك أحياناً الموت التدريجي.
ويتحدّث القرآن الكريم عن هذه الحالة بقوله:
«وَللَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ»
، وهذا الكلام القرآني في مقام جواب المنافقين الذين يستندون إلى ثروتهم ويرون أنفسهم أعزاء، وينظرون إلى المسلمين بنظرة المهانة والإزدراء ويتصورونهم فقراء، وقال بعضهم بعد غزوة بني المصطلق:
«لَئِنْ رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ» [٢]
. وهكذا نرى أنّهم يتصورون العزّة في الثروة وأنّهم سيخرجون المسلمين الفقراء أذلاء من المدينة، وكما نعلم أنّ هذا التوهم الباطل لم يتجسد على أرض الواقع أبداً، بل إنّ المنافقين ابتلوا بالعزلة والذلة والمهانة الاجتماعيّة.
قال رسول للَّهصلى الله عليه و آله:
«كثرة الحوائج إلى النّاس مذلّة وهو الفقر الحاضر» [٣].
ويقول أميرالمؤالمنين علي عليه السلام في جملة قصيرة وعميقة المغزى:
«إحتج إلى من شئت تكن أسيره» [٤].
النتيجة:
ونتيجة هذا البحث أنّ الفقر يترك آثاراً سيئة وتداعيات وخيمة في الثقافة، الدين، والأخلاق وشخصية الإنسان ومن هذه الجهة ينبغي التحرك لمنع المجتمع الإسلامي من الوقوع في هذه الهوة السحيقة.
من الواضح أنّه إذا كان الفقر بمقياس الدولة والمجتمع فإنّ آثاره السلبية ستكون أكثر وأشد،
[١]. غرر الحكم، ح ٧٤٥٣.
[٢]. سورة المنافقون، الآية ٨.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٧٤، ص ٦٦، ح ٤.
[٤]. المصدر السابق، ج ٧١، ص ٤١١، ح ٢١.