موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٣٧ - ٥ سيادة القيم المعنويّة والأخلاقيّة
الأخلاقيّة والمعنويّة فإنّهم عاشوا سكر النعمة وكان أغنياؤهم يفخرون على فقراءهم ويزدرونهم ولهذا السبب حلّت بهم العقوبة الإلهيّة:
«فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ» [١]
، بحيث إنّ بساتينهم الواسعة والمزدهرة بالأشجار المثمرة باتت بساتين خربة وثمار مرّة وأشجار ذابلة وتبدلت حدائقهم وجناتهم إلى أرض قاحلة ليست بذات قيمة:
«وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَىْءٍ مِّنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ
* ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِى إِلَّا الْكَفُورَ» [٢].
وممّا تقدّم يتبيّن أنّ القرآن الكريم يصر على أنّ النظام الاقتصادي في المجتمع الديني والإلهي يجب أن يسير في خدمة رشد وتعالى القيم والمعنويات لأفراد المجتمع وأنّ الحكومة الإسلاميّة لا ينبغي لها من أجل تحقيق الأهداف الاقتصاديّة كإزالة الفقر وإيجاد الرفاه والعدالة، أن تغفل عن القيم الأخلاقيّة وتسحق الأمور المعنويّة، بل يجب عليها تحكيم وتكريس القيم في فضاء المجتمع وتجعلها على رأس الأهداف الاقتصاديّة وخاصّة عندما نرى أنّ القرآن الكريم يعلن بصراحة أنّ أحد الأهداف في الواجبات الماليّة كالزكاة هي طهارة النفس والتزكية الروحانيّة
«خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا» [٣]
وعلى هذا الأساس فإنّ فقهاء الإسلام ذهبوا في فتاواهم إلى لزوم التقرب إلى اللَّه في دفع الواجبات الماليّة في الإسلام كشرط من شروط صحة هذه العبادة، وأنّ الخمس والزكاة والصدقات تندرج في دائرة العبادة الدينيّة.
ويتبيّن أهميّة هذه الحقيقة أكثر عندما نلاحظ أولًا: إنّ أهداف النظام الاقتصادي الكليّة هي الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في المسائل الماليّة وخاصّة في الموارد الضرورية للحياة كالمسكن والمواد الغذائيّة، وثانياً: إنّه يلفت نظرنا إلى هذه الحقيقة، وهي مسألة التأثير المتقابل للجسم والروح، وأنّ التعاليم الدينيّة في الرؤية للحياة الدنيا، وأحد مصاديقها البارزة هو «المال» بشكل عام، والمواد الغذائيّة بشكل خاص، ولها دور بارز في تقوية وتكريس القيم المعنويّة، وعلى سبيل المثال ما ورد في الروايات الشريفة:
أ) إنّ أفضل زاد للآخرة وأعلى قيمة معنويّة هي «الدنيا الحلال والمعقولة»:
«نعم العون، الدنيا على الآخرة» [٤].
ب) يرى الإمام الصادق عليه السلام، أنّ الرزق الواسع والحلال الطيب ممّا يساعد على تحصيل الآخرة والقيم الدينيّة، ويسأل اللَّه تعالى أن يرزقه منها:
«اللّهم إنّي أسألك من فضلك الواسع الفاضل المفضّل رزقاً واسعاً حلالًا طيباً بلاغاً للآخرة والدنيا هنيئاً مريئاً» [٥].
ج) ويرى النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله أنّ القمح والخبز وهي العناصر الأصليّة للاقتصاد في الكثير من المجتمعات البشريّة، أمر مبارك:
«إنّ الخبز مبارك أرسل اللَّه عزّ
[١]. سورة سبأ، الآية ١٦.
[٢]. سورة سبأ، الآية ١٦ و ١٧.
[٣]. سورة التوبة، الآية ١٠٣.
[٤]. الكافي، ج ٥، ص ٧٣، ح ١٥ عن الإمام الباقر والصادق عليهما السلام.
[٥]. مستدرك الوسائل، ج ١٣، ص ٤٠.