موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٣ - ١ بواعث الاستهلاك
للاستهلاك، والاستهلاك للانتاج».
ولكن في دائرة المفاهيم الدينيّة فالإنسان يملك بُعدين جسمي وروحي، ومن حيث الزمان فإنّ وجوده يمتد إلى آفاق الأبديّة، فدوافع الاستهلاك لا تتلخص في دائرة الحاجات الماديّة، بل تمتد إلى الحاجات المعنويّة والروحيّة أيضاً التي لها دور مهم في إيجاد الباعث على الاستهلاك، بل يمكن القول إنّ الهدف الحقيقي هو الميول المعنويّة التي تكون الحاجات الماديّة مقدّمة لها.
وعلى ضوء ذلك نرى في هذه الرؤية أنّ الأنبياء والأولياء الإلهيين أيضاً الذين يعيشون في ذروة المعنويّة والمعرفة كانوا يتحركون على مستوى إشباع حاجاتهم الماديّة والطبيعيّة:
«وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ» [١].
بل إنّهم عندما يتوقفون عن استهلاك واستعمال النعم الإلهيّة والتنعم بمواهب الطبيعة يقعون مورد الذم:
«قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِىَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [٢].
ولكن مع ذلك كما رأينا آنفاً، وخلافاً للمنهج الاقتصادي الرأسمالي والاشتراكي، فإنّ تأمين الحاجات الماديّة للإنسان لا يمكن أن يكون هو الهدف النهائي له في حركة الحياة، بل إنّ الهدف النهائي هو الوصول إلى مرتبة الكمال المعنوي والسعادة الحقيقة والقرب الإلهي.
ولذلك ورد في القرآن الكريم إلى جانب الأمر بالاستهلاك والتنعم الإشارة إلى تكاليف مهمّة وكأنّ النصوص الدينيّة تحكي عن وجود إرتباط وثيق بين دوافع الاستهلاك وأداء التكاليف، ومن ذلك نقرأ في آيات القرآن:
«يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً» [٣].
«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا للَّهِ» [٤].
«وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ» [٥].
«كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ» [٦].
والأمر بالاتيان بأمور معينّة من قبيل «العمل الصالح»، «الشكر»، «رعاية التقوى»» و «أداء الحقوق الماليّة» مع اقترانها بالأمر بالتنعم بهذه النعم واستهلاكها في هذه الآيات يبيّن الإرتباط الوثيق بين الاستهلاك وهذه الأعمال المعنويّة والأخلاقيّة، ويشير إلى أنّ الاستهلاك في نظر الدين يجب أن ينبعث من موقع تحصيل هذه الأهداف المتعاليّة.
وفي رؤية أعلى وأوسع، نرى أنّ التعاليم الدينيّة تقرر أنّه حتى التمتع باللذات الجسمانيّة والبدنيّة يجب أن ينضوي تحت خيمة القرب إلى اللَّه لكسب صبغة
[١]. سورة الفرقان، الآية ٢٠.
[٢]. سورة الأعراف، الآية ٣٢.
[٣]. سورة المؤمنون، الآية ٥١.
[٤]. سورة البقرة، الآية ١٧٢.
[٥]. سورة المائدة، الآية ٨٨.
[٦]. سورة الأنعام، الآية ١٤١.