موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٣٨ - ١ حرية النشاطات الاقتصاديّة المقترنة مع مقولة التكليف
هذا الأمر أيضاً [١]، كما ورد في مصادر أهل السنّة أيضاً روايات ناظرة إلى هذه الحقيقة [٢].
ونقرأ في الآية ٦ و ٧ من سورة «الحشر» أنّ القرآن الكريم يصرح أنّ الأراضي التي إمتلاكها المسلمون بدون قتال يعني» الفيء» حالها حال سائر مصاديق الأنفال في كونها تحت اختيار الحكومة الإسلاميّة، كما أنّ تدلّ بصراحة على أنّ الحكمة من هذا الحكم وهي أنّ المنابع الطبيعيّة للانتاج لا يمكن حصرها بيد الأغنياء والثرياء:
«كَيْ لَايَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ» [٣]
، لأنّ الحكومة الإسلاميّة ينبغي أن تراعي العدالة في تقسيم الأنفال بين المسلمين، ولا تسمح لفئة معينة أن تتملك قسماً مهماً من الأنفال وتعمل على إحياء تلك الأراضي بعد تملكها، وبالنسبة لمسألة حيازة المباحات أيضاً فالأمر كما تقدّم، يعني أنّ الحكومة الإسلاميّة تتولى الإشراف على الاستفادة منها من قِبل المسلمين لئلا تقع بيد فئة خاصة ينتفعون منها أكثر من الحدّ المباح ويتسبب في الإضرار بالآخرين، وبالنسبة للصناعات التي تشكل قسماً مهماً من النشاطات الاقتصاديّة ومصادر الإنتاج، فبما أنّ امتياز تشكيل الشركات والمؤسسات الصناعيّة يقع بيد الحكومة، فإنّ أصل «لا ضرر» يستدعي أن لا تقع هذه المنابع بيد فئة معينة وبالتالي حصر الاستفادة منها بيدهم.
ط) اجتناب استغلال العمّال والكادحين، ونرى في النظام الاقتصاد الإسلامي أحكاماً تدلّ على أنّ الإسلام يرفض عمليّة استغلال الآخرين، على سبيل المثال في باب الزراعة لا يقبل الإسلام بمجرّد استئجار العامل ودفع الأجرة إليه، بل يقرر أنّ المزارعة بعنوان شركة بين طريفين: العمل من طرف المزارع والعامل، والأرض والبذور من ناحية صاحب المزرعة، فالمزارع أو الفلاح مشارك في المحصول مع ربّ العامل، بل إنّ المرحوم الشيخ الطوسي لا يرى جواز غير هذه الصورة من المسألة ويصرّح بأنّ عدم دفع البذور من قِبل صاحب المزرعة للفلاح والذي ورد في الرواية النبويّة [٤] التعبير عنه ب «المخابرة» [٥] لا يجوز ويؤدّي إلى بطلان المزارعة [٦]، والعلّامة الحلي بدوره يصرّح بأنّ مسؤوليّة صاحب المزرعة في عقد المزارعة لا يقتصر على تفويض الأرض للفلاح وإعطائه البذور بل في صورة اللزوم يجب عليه أن يتكفل الأسمدة أيضاً [٧].
[١]. انظر: الاستبصار، ج ٣، ص ١٠٩، ح (١- ٤)؛ وسائل الشيعة، ج ١٢، ص ٢٧٤، ح ٢٢٧٦٧ و ج ١١، ح ٢٠١٩٩ و ٢٠٢٠٦؛ فروع الكافي، ج ٥، ص ٤٤، ح ٤- ٢.
[٢]. انظر: صحيح البخاري، ج ١٦، ص ١١٥، ح ٣٩٦٣ و الأموال لأبيعبيد، ص ٦٤ و ٦٥ ح ١٥٠ و ١٥١ و ١٥٢ و ص ٦٢، ح ١٤٦ و ٨٤، ح ١٩٦ و ص ٨٧، ح ٢٠٦.
[٣]. سورة الحشر، الآية ٧.
[٤]. مسند أحمد، ج ٣، ص ٣٨٩.
[٥]. «مخابرة» يا «خِبْر» من مادة خُبْر و خُبْره (/ الامتحان والاختبار)، وبهذه المعنى يضع صاحب المزرعة الأرض تحت اختيار الزارع في مقابل قسم من المحصول مثل الثلث أو الربع، (انظر: المعجم الوسيط مادة خبر) وكأنّه بهذه الوسيلة يمتحن مهارة الزارع في الزراعة. وطيعاً ورد قيد في الرواية وهو أنّ البذور بعهدة الزارع مع أنّ البذور في عقد المزارعة بعهدة صاحب الأرض.
[٦]. انظر: المبسوط، ج ٣، ص ٢٥٣.
[٧]. انظر: قواعد الأحكام، ج ٢، ص ٣١٣؛ تحرير الأحكام، ج ٣، ص ١٣٧- ١٤٥؛ جامع المقاصد، ج ٧، ص ٣٣١.