موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٤ - أ) النفور من البطالة في الإسلام
يقدّروا أنفسهم بِضَعَفَة النّاس كيلا يتبيّغ بالفقير فَقْرُه» [١].
وكذلك ورد في نهج البلاغة أنّ أميرالمؤمنين علي عليه السلام كتب لعامله عثمان بن حنيف يقول:
«أأقنع من نفسي بأن يُقال: هذا أميرالمؤمنين، ولا اشاركهم في مَكاره الدّهر، أو أكون اسوة لهم في جُشوبة العيش» [٢].
وجاء في رواية أخرى عن المفضّل قال: كنت عند أبي عبد اللَّه (الإمام الصادق عليه السلام) بالطواف، فنظر إليَّ وقال لي: يا مفضّل ما لي أراك مهموماً متغيّر اللّون، قال: فقلت: جعلت فداك وقع نظري إلى بني العباس، وما في أيديهم من هذا الملك والسلطان والجبروت، فلو كان ذلك لكم لكنّا فيه معكم، فقال:
«يا مفضّل أما لو كان ذلك لم يكن إلّاسياسةَ اللّيل وسياحةَ النّهار وأكلَ الْجَشِب ولُبْسَ الخَشِن، شِبْهَ أميرالمؤمنين عليه السلام وإلّا فالنّار، فَزُويَ ذلك عنّا، فصرنا نأكل ونشرب، وهل رأيت ظلامةً جعلها اللَّه نِعمةً مثلَ هذا» [٣].
وقد ورد في سيرة النّبي يوسف عليه السلام أنّه كان يعيش الجوع في سنوات القحط والجفاف، فقيل:
«أتجوع وأنت على خزائن مصر؟»
، فقال:
«أخاف أن أشبع فأنسى الجِياع» [٤].
ومن هذه الجهة فإنّ قادة المجتمع لابدّ أن يقنعوا بالحدّ الأدنى من المعيشة والتمتع بمواهب الحياة مواساة للمحرومين ولعدم الغفلة عن الجياع والبؤساء من الناس، ليقللوا من معاناة البؤساء والمحرومين في المجتتمع ويسعوا ببذل مزيد من الجهد لرفع حاجاتهم والتقليل من معاناتهم.
البحث الثالث: الزاهد الإسلامي والعمل والسعي
تقدّم في الفصل السابق أنّ الزهد الإسلامي لا يعني ععدم الاستفادة من المواهب الطبيعة، بل يستلزم الاكتفاء بالحلال وعدم التعلق الشديد بالأمور الدنيويّة، ورغم أنّ الزهد يعني في بعض الظروف الاستفادة في الحدّ الأدنى من الأمور الدنيويّة ومواهب الطبيعة، ولكن الزاهد الإسلامي لا يرضا لنفسه حالات الكسل والباطلة ولا يترك العمل والسعي، لأنّ الإسلام يؤكد دوماً على مسألة السعي وبذل الجهد والكسب في أمور المعيشة والدنيا وينهي عن التكاسل والبطالة، ومن هذا المنطلق فإنّ الزاهد المسلم يتحرك على مستوى المزيد من بذل الجهد والعمل بالدوافع التالية:
أ) النفور من البطالة في الإسلام
إنّ العمل والسعي والنشاط الاقتصادي في دائرة الثقافة الإسلاميّة والتعاليم الدينيّة من الأمور التي ورد التأكيد عليها والتشويق إليها كثيراً، وكذلك ورد الذم عن كلّ أشكال التكاسل وطلب الراحة وعدم استخدام القوى الطبيعيّة والقدرات والإمكانات العلميّة في مجال إعمار الحياة الدنيا.
[١]. نهج البلاغة، الخطبة ٢٠٩.
[٢]. المصدر السابق، الكتاب ٤٥.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٥٢، ص ٣٥٩، ح ١٢٧.
[٤]. شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد، ج ١١، ص ٢٣٦.