موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٣ - ١ توفير الأرضيّة لتشغيل رأس المال
الآية:
«وَجَمَعَ فَأَوْعَى»
أنّ المراد منها: «جمع المال حرصاً عليه فأوعى: جعله في وعاء وكَنَزَه» [١] وبذلك يخرج المال عن عجلة الإنتاج والحركة الاقتصاديّة.
إنّ موضوع تجميد الأموال وتجميعها والتهديد بالعذاب الشديد على هذا العمل ورد في الروايات الشريفة بصورة واسعة، ومن ذلك ما نقرأه في رواية الإمام الصادق عليه السلام أنّ جماعة من أهالي خراسان دخلوا عليه فقال لهم الإمام عليه السلام:
«مَن جمع مالًا يحرسه عذّبه اللَّه على مقداره. فقالوا بالفارسيّة: لا نفهم العربية، فقال عليه السلام لهم:
هر كه درم اندوزد جزايش دوزخ باشد» [٢].
فلسفة تحريم الإكتناز:
إنّ الحكمة من تحريم الإكتناز لا تخفى على أحد، وإذا لم يطلع الشخص بشكل تفصيلي عليها أو لم يتمكن من بيانها، فلا شك أنّه يعلم بها إجمالًا، فإكتناز الأموال وإدّخارها تترتب عليه مفاسد كثيرة، واجتناب الإكتناز فيه منافع للفرد والمجتمع، وقد تقدّم الكلام عن هذا الموضوع في بحث «فلسفة جمع المال» وهو وجه آخر من وجوه الإكتناز، من قبيل:
تحرر وخلاص الإنسان من صفات ذميمة مثل البخل والحرص وكذلك تأمين حاجات المحرومين ومنع ظهور الفاصلة الطبقيّة.
وهنا نشير إلى نقطتين اخريين:
١. توفير الأرضيّة لتشغيل رأس المال
منذ أن تشكلت المجتمعات البشريّة فإنّ التبادل في المنتوجات المختلفة كان سائداً بين أفراد البشر، وكلّ شخص كان يعرض ما زاد عن حاجته من المحاصيل الزراعيّة والحيوانيّة وغيرها للبيع، ولكن بما أنّ النقد لم يكن متداولًا في ذلك الوقت، فإنّ هذا التبادل كان بصورة مبادلة جنس بجنس آخر وترتب على ذلك مشاكل كثيرة، لأنّ الكثير من الأفراد الذين يريدون بيع ما زاد عن حاجتهم، ولكنّهم ربّما لم يكونوا محتاجين لشيء آخر ليشترونه، وهنا فكر الإنسان بشيء يجعله معياراً لمعاملاته، ومن هذه الجهة طرح موضوع «النقد والمال».
وظهور «الفضة» والأهم منها «الذهب» زاد من قوّة هذه الفكرة حيث جعلهما الإنسان بمثابة المال وأحدهما رخيصاً والآخر غالياً، وبهذه الطريقة إزدهرت المبادلات التجاريّة بين أفراد البشر.
وعلى هذا الأساس فالحكمة الأساسيّه من وجود المال هو تحرك وتسريع المبادلات الاقتصاديّة والمعاملات التجاريّة، وأمّا الأشخاص الذين يتحركون من موقع إخفاء وإكتناز هذا المال، ليس فقط يتسببون في ركود الاقتصاد، وبذلك يعرّضون منافع المجتمع للضرر، بل إنّ عملهم هذا يقف على الضد من الحكمة في ظهور المال [٣].
والإسلام بتحريمه إكتناز الثروة، فإنّه في الحقيقة
[١]. انظر: مجمع البيان، ج ١٠، ص ٥٣٥؛ جامع البيان، ج ٢٩، ص ٤٩؛ روح المعاني، ج ١٥، ص ٦٩. وجاء في تفسير مقاتل: «أي جمع ماله فأمسكه في وعائه ولم ينفق منه للسائل والمحروم». (تفسير مقاتل، ج ٤، ص ٤٣٩).
[٢]. بحار الأنوار، ج ٤٧، ص ١١٩، ح ١٦٢.
[٣]. انظر: التفسير الأمثل، ج ٧، ص ٣٩٣؛ الميزان، ج ٩، ص ٢٦١- ٢٦٢.