موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٢ - البحث الرابع دور الزهد الإسلامي في إزدهار الاقتصاد
والبطالة وطلب الراحة التي ورد ذمها بشدّة في النصوص الدينيّة.
٣. إنّ ترك الدنيا والتوجه إلى «الترهب» والتصوف مذموم في الإسلام.
٤. إنّ الإنفاق والجهاد المالي وحلّ مشاكل الناس، والذي يقوم على العنصر المالي، يحظى بأهميّة خاصّة عند اللَّه تعالى، وطبيعي أنّ الاهتمام بهذا العمل يدعو كلّ مسلم إلى تقوية قدراته الماليّة وبالتالي (في صورة الإمكان) يفضي ذلك إلى تقوية البلد الإسلامي.
٥. مع الالتفات إلى أنّ حالة المسلم الفاعل والعامل، في ظلّ العمل والكسب، تزدهر وتشتد، ومثل هذا الإزدهار يمكن أن يجرّه نحو منزلقات حبّ الدنيا والتمتع بملذاتها بشكل مفرط، يتبيّن هنا ضرورة الاهتمام والتوجه للزهد الإسلامي بالمعنى الصحيح.
وهذا يعني أنّ الزهد الواقعي وهو (عدم التعلق القلبي بزخارف الدنيا والمتع الماديّة)، من شأنه أن يسخر رأس المال والإمكانات المتحصلة عن العمل والسعي في الاتّجاه الصحيح وبالتالي يمنح الإنسان الناشط والعامل والمتمكن من الناحية الماليّة النجاة من مرض (حبّ الدنيا) ويحيا في وجدانه عناصر الصلاح والميل للاستفادة الأفضل من هذه الثروة في مجالات الخدمة للمجتمع والسير في خط المسؤوليّة والعبوديّة للَّهتعالى.
وبديهي أنّ الزهد الواقعي، يتجلّى على حياة هؤلاء الأشخاص وأنّ «حالة الممانعة في واقع الزهد الإسلامي» تتجلّى في حركة مثل هؤلاء الأشخاص في مسارهم المعنوي أيضاً.
البحث الرابع: دور الزهد الإسلامي في إزدهار الاقتصاد
إنّ الزهد بالمعنى الصحيح للكلمة ليس فقط لا يتنافى مع النشاطات الاقتصاديّة على مستوى الفرد والمجتمع، بل بعكس ذلك بإمكانه أن يكون مصدراً للتأثيرات الإيجابيّة في تقوية وإزدهار الاقتصاد في المجتمع الإسلامي، لأنّه من جهة نرى تأكيد الإسلام على الزهد والمعيشة الزاهدة يمنع المجتمع الإسلامي من السقوط في هوة النشاطات الاقتصاديّة غير السليمة التي تتسبب في تخلف المجتمع، ومن جهة أخرى فتعاليم الدين في مجال العمل والسعي تفعّل الوجدان العملي لدى المسلم بأفضل وجه وتمنحه الدافع والباعث على الدخول في المجالات الاقتصاديّة، وبالتالي تكون نتيجة العمل والسعي في هذا المحيط الثقافي والاجتماعي بأفضل حالة.
وتوضيح ذلك: إنّ الزاهد الإسلامي وبالاستلهام من الآية الشريفة:
«لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا» [١]
وكما ورد في تفسيرها عن الإمام الصادق عليه السلام:
«ليس يعنى أكثر عملًا ولكن أصوبكم عملًا» [٢]
فإنّه يتوجّه إلى «أحسن العمل» و «أحسن العمل» هذا يتطلب خصوصيات معينة، منها:
١. «النظم والتخطيط المدروس» وهو ما ورد التوصية بها في التعاليم الدينيّة، من قبيل ما ورد عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام في وصيّته لولديه وهو على فراش الشهادة والاحتضار:
«اوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي بتقوى اللَّه ونظم أمركم» [٣].
٢. المعرفة والتخصص، لأنّه بدون هذه المعرفة لا يمكن تحقيق «أحسن العمل» في واقع الحياة، وكما ورد في القرآن الكريم فانّ شرط مثل هذا العمل أن يكون الإنسان «حفيظاً وعليماً» [٤].
٣. رعاية الإتقان والإستحكام، وببيان آخر:
رعاية الضوابط العالميّة اللازمة في العمل، وهذا شرط آخر لنيل «أحسن العمل» إلى درجة أنّ النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله عندما فرغ من دفن ولده إبراهيم رأى خللًا في القبر وأصلحه بيده المباركة وقال للحاضرين:
«إنّ اللَّه تعالى يحبّ إذا عمل أحدكم عملًا أن يُتْقِنَه» [٥].
أجل، فالزاهد الإسلامي من استلهامه من هذه الأصول والتي لها أثر كبير في عمليّة الإزدهار الإسلامي، يتحرك في هذا المسير ويكون زهده مصدر بركة وخير للاقتصاد الإسلامي.
وجدير بالذكر أنّ «حسن العمل» يتحقق أحياناً بإخلاص النيّة، مثل حسن العمل في العبادات، وأحياناً أخرى من طريق إستحكام العمل وإتقانه وحسن التخطيط والنظم في حركة الحياة، من قبيل قوّة الإدارة والتدبير في مشاريع التنمية الخيرة كبناء الجسور،
[١]. سورة الملك، الآية ٢.
[٢]. الكافي، ج ٢، ص ١٦، ح ٤.
[٣]. نهج البلاغة، الكتاب ٤٧.
[٤]. «قَالَ اجْعَلْنِى عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّى حَفِيظٌ عَلِيمٌ». سورة يوسف، الآية ٥٥.
[٥]. مجمع الزوائد، ج ٤، ص ٩٨؛ ومثله في: بحار الأنوار، ج ٦، ص ٢٢٠.