موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٠٢ - ٣ حفظ كرامة الإنسان وعزّته النفسانية
استفادة الإنسان منها وذللها له.
وببيان آخر: بالرغم من أنّ الغرض الأصلي بحسب الظاهر من ذكر هذه النعم والمواهب العظيمة إلفات نظر الإنسان الغافل إلى حقيقة ربوبيّة اللَّه وعظمته وقدرته وحكمته وأنّ تدبير العالم يختص بالباري تعالى وكذلك افهام الإنسان بقيمته السامية وأنّ كلّ ما في هذا العالم من رياح وشمس وقمر وأفلاك وأمطار كلّها تتحرك من أجل خدمة الإنسان لكي يصل في مسيرته المعنويّة إلى كماله المنشود ولئلا يكون عبداً لغير اللَّه أو يقع أسيراً لشهواته وأهوائه، ولكن ممّا لا شك فيه أنّ هذه الآيات الكريمة أشارت إلى أنّ هذه الذخائر والمعادن الموجودة في السماء والأرض إنّما هي لغرض انتفاع الإنسان منها اقتصادياً وكذلك لتقوية وتنميّة قابليات الإنسان لاستخراج هذه الذخائر في عالم الطبيعة.
وهاتان النقطتان، أي وجود الذخائر والكنوز الأرضية لغرض الانتقاع الاقتصادي وتقوية الإنسان لاستخراج هذه الذخائر يمكن استفادتهما من الآيات والروايات الشريفة، حيث يتحصل هذا المعنى من قوله تعالى:
«هُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِى مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ» [١]
، لأنّ المراد من كلمة «ذلول» هو كون الأرض صالحة للزراعة ومستعدة لأنواع التصرفات والاكتشافات [٢]، كما أنّ التعبير ب
«وَكُلُوا مِنْ رِّزْقِهِ»
تعبيراً عاماً ويشمل جميع المواد الغذائيّة في الأرض، أعم من الحيوانية والنباتية والمعدنية [٣]، وخطاب
«فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ
رِّزْقِهِ»
؛ إشارة إلى أنّ الإنسان إنّما يحصل على هذه المواهب والنعم الإلهيّة من خلال المشي في الأرض والتصرف في مظاهر الطبيعيّة واستخراج المعادن ليحصل على رزقه وما يشبع حاجاته الدنيويّة منها.
وكذلك يستفاد هذا المعنى من الحديث النبوي الشريف:
«التَمسوا الرزق في خَبايا الأرض» [٤]
، لأنّ كلمة «خبايا» جمع «خبأة» من مادة «خَباءً» و «خَبْأً» بمعنى إخفاء الشيء واستتاره، ومن هذه الجهة يقال للتقية والاستتار وكلّ شيء مستور ومخفي «خَباء» (بمعنى الاسم المصدري) و «خَباء» و «خَبْأة» مفرد «خبايا» تأتي بمعنى الزراعة والبذر حيث تختفي الحبوب في طيات التربة، وكذلك تستعمل للمعادن المخفية تحت الأرض [٥].
٣. حفظ كرامة الإنسان وعزّته النفسانية
لا شك أنّ غنى النفس وعزّة وكرامة الإنسان تعد من الأصول الأخلاقيّة في الإسلام، فالإنسان الذي حصل على معرفة معتبرة بالباري تعالى وأيقن أنّ زمام جميع الأمور بيد اللَّه وأنّ حياته ومعيشته مرتبطة بلطف اللَّه ورحمته وأنّه لا حول ولا قوّة ولا نفع ولا ضرر يتوجه إلى الإنسان إلّامن طريق ربّ العالمين، فهو مسبب الأسباب وعلّة العلل، وينبغي أن يرى الإنسان نفسه غنياً وغير محتاج إلى جميع الأشياء وجميع الخلائق غير اللَّه تعالى، وبذلك يصل إلى غناه الروحي وكرامته النفسانية والتي تعدّ أعلى وأفضل حالات الغنى:
«خير الغنى غنى النفس» [٦].
وشعاع هذه العزّة والغنى يمتد ليستوعب جميع شؤون حياة الإنسان، وتتجلى مظاهرها على جميع
[١]. سورة الملك، الآية ١٥.
[٢]. انظر: الميزان، ج ١٩، ص ٣٥٧.
[٣]. انظر: التفسير الأمثل، ج ١٤، سورة الملك ذيل الآية الكريمة.
[٤]. كنز العمال، ح ٩٣٠٣، ج ٤.
[٥]. انظر: المعجم الوسيط و مجمع البحرين، مادّة «خبأ».
[٦]. بحار الأنوار، ج ٧٢، ص ١٠٦، ح ٥؛ إعجاز القرآن الباقلاني، ص ١٤٧.