موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٦٨ - و) ذم الرهبانيّة
حديث آخر عنه صلى الله عليه و آله أنّه يفتح له سبعون باباً من الفقر:
«فتح اللَّه عليه سبعين باباً من الفقر لا يَسُدُّ أدناها شيء» [١].
وجاء في رواية أخرى عن أميرالمؤمنين علي عليه السلام في طلب المعونة الماديّة من الناس:
«ألسّؤال ... يمحق الرّزق» [٢].
والأحاديث في هذا الباب كثيرة، ونختم هذا البحث بحديثين آخرين:
الأوّل: قال النّبي الأكرم صلى الله عليه و آله:
«إنّ اللَّه يحبّ الحييّ المتعفّف ويبغض البذىّ السائل الْملحِف» [٣].
والثاني: ورد في حديث آخر عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال:
«رحم اللَّه عبداً عفّ وتعفّف وكفّ عن المسألة، فانّه يعجّل الذلّ في الدّنيا والآخرة» [٤].
جدير بالذكر أنّ الفقراء والمحتاجين رغم لزوم اجتنابهم لطرح حاجتهم على الأثرياء من الناس ولكن هذه المسألة لا تتنافى مع سعي الأثرياء للتعرّف على حاجات الطبقة المحرومة في المجتمع والتحرك على مستوى رفعها، ويجب على المؤمنين المتمكنين والمتمولين أن يتعرّفوا على حاجات الفقراء والمحتاجين في المجتمع ويتحركوا لرفع حاجاتهم بصورة محترمة وبما يحفظ لهم كرامتهم وماء وجههم.
و) ذم الرهبانيّة
الرهبانيّة من مادة «رَهْب» وفي الأصل تعني الخوف المقترن بالقلق والورع، ومفردة «ترهب» تعني التعبد، والرهبانيّة تعني شدّة التعبد [٥]، وفي المسيحيّة يوجد نوع من الرهبانيّة فيما يتصل بتحريم الزواج بين الرجال والنساء التاركين للدنيا والذي يستلزم العزلة الاجتماعيّة وترك النشاطات الدنيويّة واختيار الصوامع والدير البعيدة للتفرغ للعبادة، بعيداً عن مشاغل الحياة وضوضاء المحيط الاجتماعي [٦].
والإسلام يخالف هذا النمط من الحياة، وقد ورد في شأن نزول الآية ٨٧ و ٨٨ من سورة المائدة أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله كان يتحدّث للناس يوماً في وصف حالات يوم القيامة ممّا أبكى الناس، بعد ذلك اجتمع بعض الصحابة في منزل عثمان بن مظعون وتعاهدوا بينهم أن يصومون النهار ويقومون الليل ولا يتناولوا من لحوم الحيوانات ولا يقاربون نساءهم ولا يتعطروا ولا يلبسون الخشن من الثياب ويتركون الدنيا ويعيشون كالرهبان.
وهذا الخبر وصل إلى مسامع رسول اللَّه صلى الله عليه و آله فجمع النّبي صلى الله عليه و آله الناس وخطب فيهم ووبخ هؤلاء على عزمهم وقال:
«أما إنّي لستُ آمركم أن تكونوا قِسّيسين ورُهبانا ... وإنّ سياحة امّتي الصوم ورَهبانيّتهم
[١]. وسائل الشيعة، ج ٦، ص ٣٠٦، ح ٨.
[٢]. غرر الحكم، ج ١، ص ٣٦١، ح ٨١٨٣.
[٣]. بحار الأنوار، ج ٩٣، ص ١٤٩، ح ١؛ ومثله في: مجمع الزوائد، ج ٨، ص ١٦٩.
[٤]. المصدر السابق، ص ١٥٤، ح ١٩.
[٥]. انظر: مفردات الراغب، «رهب».
[٦]. انظر: شرح وتفسير مفردات القرآن اقتباساً من التفسير الأمثل (شرح و تفسير لغات قرآن بر اساس تفسير نمونه) بالفارسيّة، ج ٢، ص ٢١٤.