موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٦ - تعريف الإنتاج
على «نمو العوائد والأرباح الفرديّة» لكي تستطيع بهذه الطريقة التوصل إلى تنميّة اقتصاديّة ناجحة وتضمن في ظلّ هذه التنمية إشباع الحاجات الأساسيّة لأفراد المجتمع، وقد أدركت بشكل تدريجي خطأها واضطرت إلى التوجّه نحو «الاقتصاد النئوكلاسيك» [١] أو رفع شعار النمو والتوزيع المجدد (مع ملاحظة عنصر الحاجة) وخفض معدلات الفقر المطلق.
والأهم من ذلك أنّ إخفاق النظم الاقتصاديّة الرأسماليّة والاشتراكية أدّى إلى تحركهم نحو إجراء إصلاحات مهمّة وأساسيّة لحلّ المشكلات التي واجهتهم على إمتداد سنوات طويلة ولكن برغم وفرة المنابع الطبيعيّة وكثرة ثرواتهم، فإنّهم لحدّ الآن لم يستطيعوا تحقيق أهدافهم المنشودة، الاضطرابات الاجتماعيّة وأشكال الجريمة والجنوح، حالات الفقر والبطالة، والأهم من ذلك كلّه الركود الاقتصادي الذي ينشب مخالبه في هذه المجتمعات، تزداد يوماً بعد آخر، إلى أنّ وصلوا إلى نظام اقتصادي ثالث، مقتبس من كلا النظامين الاقتصاديين (الرأسمالي والاشتراكي) ويدعى ب «دولة الرفاه العلمانيّة»، ولكن هذا النظام الجديد برغم استقبال الناس له في هذه المجتمعات بشكل حافل في بداية الأمر، ومع أنّه يهتم أكثر بعنصر الحاجة في الطبقات المحرومة إلّاأنّه لم يتمكن من الغلبة على المشاكل والمآزق الاقتصاديّة التي تعيشها هذه المجتمعات [٢].
والسبب في ذلك أنّهم لم يلتفتوا إلى الحقائق الموجودة على أرض الواقع ولم يهتموا بحاجات الإنسان الطبيعيّة والفطريّة، ولم يتمكنوا من تنظيم الملكيّة بشكل عادل على عنصري «العمل والحاجة».
ولكن النظام الاقتصادي في الإسلام منطبق على الواقع ومنسجم مع الحاجات الفطريّة للبشر، فإنّه منذ البداية اعترف بكلا العنصرين «العمل والحاجة» وقرر لكل واحد منهما سهماً واقعياً في الحركة الاقتصاديّة.
الفصل الثاني: الإنتاج
إشارة:
لا شك أنّ عنصر «الإنتاج» في النظم الاقتصاديّة يحوز على أهميّة كبيرة، لأنّ دوام وقوام الأمور الاقتصاديّة في المجتمعات البشريّة ترتبط بعمليّة الإنتاج، وحتى في هذا العصر فإنّ ميزان حالة الاستقرار والأمن في كلّ بلد يتمّ فهمها من خلال معرفة قدرة هذا البلد على الإنتاج وسعة قدرته وإمكانياته، إنّ ارتفاع سقف الإنتاج في كلّ مجتمع يعد من المعايير لقياس الإزدهار والتقدم الاقتصادي لذلك البلد، ومن هذه الجهة فإنّ مصطلح «البلدان المتقدمة» يطلق على تلك البلدان التي تعيش سقفاً عالياً من الإنتاج، سواءً في البضائع أو الخدمات، وفي مقابل ذلك فثمة بلدان يتضاءل فيها سقف الإنتاج القومي ويطلق عليها «البلدان المتخلفة».
وكما سيأتي لاحقاً أنّ الإسلام أيضاً يرى أنّ «الإنتاج» أهم أركان الاقتصاد الإسلامي، وبذلك أكد كثيراً على زيادة الإنتاج واعتبره من الأهداف الاقتصاديّة للمجتمعات الإسلاميّة.
تعريف الإنتاج:
إنّ الإنسان وخلافاً لأكثر الحيوانات، لا يستطيع إشباع حاجاته من الطبيعة بشكل مباشر، بل يتحرك على مستوى التصرف في الطبيعة وتغييرها بواسطة العمل، ليتمكن من إشباع حاجاته في واقع الحياة، سواءً كان ذلك العمل تبديل شيء بشيء، أو نقل بضاعة من نقطة إلى أخرى، وفي عمل الاقتصاد يطلق على
[١]. علم الاقتصاد الغربي الذي وضع أساسه آدام اسميت ويمتدعمره إلى مائتي عام ويشمل ثلاثة مذاهب اقتصاديّة: الكلاسيكي، دولة الرفاه، والنئوكلاسكي، ومنذهب النئوكلاسيكي أو الكلاسيكي الجديد ظهر من خلال إجراء بعض التعديلات على نظريات آدام سميت، لهذا السبب يطلق عليه النئوكلاسيك، ومؤسسو هذا المذهب عبارة عن: آلفرد مارشال، بارتو، والراس، ويكسل، كلارك، اجورث، فيشر.
هؤلاء يعتقدون أنّ الشركات الاقتصاديّة تتحرك لطلب الحد الأكثر من الربح، والناس يتحركون لطلب الحد الأكثر من المتعة الحاصلة من الاستهلاك، وهذان العاملان يستببان ليس فقط في تحريك عجلة الاقتصاد في المجتمع، بل في إزدهار ونمو الاقتصاد. (لمزيد من الاطلا انظر:: الاقتصاد والتنمية في نموذج جديد (اقتصاد توسعه يك الگوى جديد) بالفارسيّة، ص ٢٥ و ١٤ وكذلك الكتب الاقتصاديّة).
[٢]. انظر: الإسلام والأزمة الاقتصاديّة (اسلام و چالش اقتصادى) بالفارسيّة، ص ٣٧ و ١٧٩- ٢٢٧.