موسوعة الفقه الاسلامي المقارن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٨ - ٣ فلسفة تحريم الإكتناز
«وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ* يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِى نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِانفُسِكُمْ» [١].
ويقول القرآن الكريم في الآية ١٩٥ من سورة البقرة بعد أمره المسلمين بالإنفاق:
«وَأَنفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ»
يقول:
«وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ»
أي بترك الإنفاق ستوقعون أنفسكم في الهلكة ويستفاد من هذا التعبير أنّ الإنفاق بشكل عام يتسبب في إنقاذ أفراد المجتمع من السقوط بوادي الهلاكة، وبعكس ذلك أنّهم لو غفلوا عن مسألة الإنفاق وتجمعت الثروات بيد طبقة خاصّة فإنّ ذلك يؤدّي إلى تشكل غالبية محرومة وفقيرة في جو المجتمع، ولا تنقضي مدّة إلّاويحدث إنفجار عظيم في المجتمع يحرق بنيرانه نفوس وأموال الأثرياء والرأسماليين، ومن هنا يتبيّن إرتباط مسألة الإنفاق والنجاة من الهلكة.
وعلى هذا الأساس فإنّ الإنفاق قبل أن يكون مفيداً بحال المحرومين فإنّه مفيد للرأسماليين والأثرياء أنفسهم، لأنّ تعديل الثروه حافظ للثروه.
ومن جهة أخرى نقرأ في النصوص الدينيّة البشارة بالمثوبات الكثيرة والواسعة للإنفاق، وفي الحقيقة فإنّ هذه النصوص وبالاستفادة من عنصر التشويق تخلق في نفوس الناس باعثاً أقوى وأشدّ على الإنفاق.
وورد عن رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أنّه قال:
«من أعطى درهماً في سبيل اللَّه كتب اللَّه له سبعمائة حسنة» [٢].
جدير بالالتفات أنّ اللَّه تعالى تعهد بأن يملأ الفراغ المالي الحاصل من الإنفاق:
«وَمَا أَنفَقْتُمْ مِنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ» [٣].
النتيجة:
يستفاد ممّا تقدّم بيانه في هذا الفصل أنّ الإسلام سلك جميع الطرق الممكنة لمنع وإعاقة تراكم الثروة بيد طبقة خاصّة، فأحياناً من خلال تشريع القوانين والمقررات، وأحياناً أخرى من خلال الاستفادة من عنصر التهديد بالعذاب الأليم، وثالثة بالاستفادة من آلية البشارات والوعد بالثواب العظيم للإنفاق في سبيل اللَّه، وفي بعض الموارد يتحرك الإسلام في مواجهة حالة الإكتناز الأموال من طريق محاربة الصفات الأخلاقيّة الذميمة مثل: حبّ الدنيا، البخل، الحرص، الحسد، الطمع و ... وأخيراً من خلال تقوية الإيمان في نفوس الناس وإيجاد روحية طلب الآخرة والتوصية والتأكيد على لزوم التحلي بالصفات الحميدة الإنسانيّة، وكلّ هذه الطرق تنتهي ضبط ظاهرة تراكم المال والحيلولة دون حصر الثروات بيد فئة معينة.
٣. فلسفة تحريم الإكتناز
كما تبيّن في البحوث السابقة فإنّ إكتناز المال يترتب عليه إفرازات وآثار سلبيّة كثيرة من قبيل: حبّ الدنيا، الطمع والحرص، والتي تؤدّي بشكل مباشر إلى
[١]. سورة التوبة، الآية ٣٤ و ٣٥.
[٢]. أمالي الطوسي، ص ١٨٣.
[٣]. سورة سبا، الآية ٣٩.